إذا بدت لك كلمات مثل "ريز" و"ديلولو" و"سيغما" غامضة، فلست وحدك، فهي جزء من لغة موازية ابتكرها جيل زد داخل الفضاء الرقمي، قبل أن تجد طريقها إلى السوق الاقتصادي والمعاملات اليومية.
يرى الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن اختلاف اللغة بين الآباء والأبناء ليس ظاهرة جديدة، فلكل جيل مفرداته وأساليبه الخاصة في التعبير
تؤكد الدكتورة ميادة لطفي حماد، مدرس علم الاجتماع بجامعة المنصورة، أن تطوير لغة خاصة بالشباب ظاهرة اجتماعية صاحبت الأجيال المتعاقبة، إلا أن جيل زد نقلها إلى مستوى غير مسبوق
لم تعد هذه المفردات حبيسة الدردشات بين الأصدقاء، بل تسللت إلى الحملات الإعلانية لكبرى العلامات التجارية، في مؤشر على أن "جيل زد"، الذي يمثل نحو 25% من سكان العالم، بما يتخطى ملياري نسمة، يعيد تشكيل قواعد التواصل بين الأجيال.
مصطلحات لا يفهمها سوى جيل زد
وتختصر هذه اللغة مواقف ومشاعر كاملة في كلمات قليلة، إذ تشير "ريز" إلى الجاذبية الشخصية، بينما تستخدم "ديلولو" للتعبير عن التوقعات غير الواقعية، و"سيغما" لوصف الشخصية المستقلة.
كما انتشرت مصطلحات أخرى مستمدة من عالم الألعاب والإنترنت، مثل "NPC"، التي تصف شخصاً يتصرف بصورة نمطية أو يفتقر إلى الشخصية المستقلة.
الخوارزميات تصنع لغة "جيل زد"
ولا يعد ابتكار الشباب لغة خاصة ظاهرة جديدة، فكل جيل يترك بصمته اللغوية عبر العقود، فمنذ عشرينيات القرن الماضي ظهرت مفردات شبابية اختفى معظمها بمرور الوقت، بينما صمدت كلمات أخرى مثل "كول" (Cool)، التي دخلت الاستخدام اليومي منذ أربعينيات القرن الماضي وما زالت متداولة حتى اليوم.
لكن ما يميز مصطلحات "جيل زد" ليس ظهورها، بل سرعة انتشارها واختفائها، بعدما غيرت منصات التواصل الاجتماعي وخوارزميات التوصية طريقة تداول الكلمات.
ولم تعد الكلمات الجديدة تحتاج سنوات حتى تنتشر كما كان الحال في الماضي، فخوارزميات تيك توك وإنستغرام، إلى جانب أدوات مثل إعادة استخدام المقاطع الصوتية والتحديات، تنقلها إلى مليارات المستخدمين خلال وقت قصير.
ووفق بيانات "ميتا"، يضم إنستغرام أكثر من 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، فيما تقدر تقارير متخصصة عدد مستخدمي تيك توك بنحو 1.9 مليار مستخدم نشط شهرياً، ما يمنح أي كلمة رائجة فرصة للانتشار عالمياً خلال وقت قياسي، لكنه يجعل دورة حياتها أقصر من أي وقت مضى.
من لغة الشباب إلى سوق بمليارات الدولارات
اللافت أن هذه المصطلحات تحولت من ظاهرة لغوية إلى أداة تسويقية تتنافس عليها العلامات التجارية، فالشركات تتابع الكلمات الرائجة باستمرار لإنتاج محتوى يبدو أقرب إلى لغة الشباب، إدراكاً منها للقوة الاقتصادية المتنامية لجيل زد.
وتتوقع تقديرات سوقية أن تتجاوز القوة الشرائية لهذا الجيل 12 تريليون دولار بحلول 2030، فيما تشير الدراسات إلى أن نحو 70% من أفراده يفضلون البحث عن العلامات التجارية بأنفسهم قبل الوثوق بها، ما يدفع الشركات إلى تحديث خطابها التسويقي باستمرار ومواكبة اللغة المتغيرة للشباب.
تأثير بمئات المليارات
ورغم عدم وجود مؤشر اقتصادي يقيس قيمة "سوق مصطلحات جيل زد" مباشرة، فإن أقرب مقياس لها هو اقتصاد صناع المحتوى، الذي تجاوزت قيمته العالمية 250 مليار دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى أكثر من 528 مليار دولار بحلول 2030.
كما بلغت قيمة سوق التسويق عبر المؤثرين نحو 32.5 مليار دولار في 2025، ما يعكس كيف تتحول الكلمات الرائجة على تيك توك وإنستغرام سريعاً إلى أدوات تسويقية تدر مليارات الدولارات.
اعتراف رسمي بلغة "جيل زد"
ولم تتوقف رحلة هذه المفردات عند منصات التواصل، بل وصلت أيضاً إلى القواميس العالمية، إذ اختار قاموس أكسفورد كلمة "ريز"، التي تعني الجاذبية أو القدرة على لفت الانتباه، كلمة العام في 2023، ثم منح اللقب في 2024 لمصطلح "برين روت"، الذي يشير إلى التدهور الذهني الناتج عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي.
كما أضاف قاموس ميريام-ويبستر أيضاً كلمات مثل "ريز" و"سيمب" و"ميد"، بينما أدرج قاموس كامبريدج في 2024 مصطلح "ديلولو" ضمن نسخته الإلكترونية، في دلالة على أن مفردات جيل زد لم تعد مجرد صيحات عابرة، بل أصبحت جزءاً من اللغة المعاصرة.
بداية الفجوة اللغوية
وفي تصريحاته لـ"24"، يرى الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن اختلاف اللغة بين الآباء والأبناء ليس ظاهرة جديدة، فلكل جيل مفرداته وأساليبه الخاصة في التعبير، لكن هذا الاختلاف لا يتحول إلى فجوة حقيقية إلا عندما تضعف العلاقة الأسرية.
ويوضح أن قوة التواصل بين الطرفين تساعد الآباء على فهم لغة أبنائهم والتقارب معهم، بينما يؤدي الإصرار على فرض أسلوب الجيل الأكبر أو رفض مفردات الجيل الجديد إلى زيادة التباعد في الأفكار والسلوك، وليس في اللغة وحدها.
ويضيف استشاري الطب النفسي أن معظم مصطلحات جيل زد ارتبطت بوسائل التواصل الاجتماعي، لذلك فإن التعامل معها باعتبارها مدخلاً لفهم العالم الذي يعيش فيه الأبناء أكثر فاعلية من رفضها أو السخرية منها، مؤكداً أن الحوار والمرونة يظلان الوسيلة الأهم لتقليص الفجوة بين الأجيال.
لغة تصنع الهوية
من جانبها، تؤكد الدكتورة ميادة لطفي حماد، مدرس علم الاجتماع بجامعة المنصورة، أن تطوير لغة خاصة بالشباب ظاهرة اجتماعية صاحبت الأجيال المتعاقبة، إلا أن جيل زد نقلها إلى مستوى غير مسبوق بفضل البيئة الرقمية.
فالمصطلحات الجديدة، بحسب حماد، لا تستخدم للتواصل فقط، بل تساعد الشباب على بناء هوية تميزهم عن الأجيال السابقة، كما تعكس انفتاحهم على ثقافات عالمية متنوعة، من الألعاب الإلكترونية إلى المحتوى القصير والموسيقى.
وتوضح أن هذه اللغة أصبحت مرآة لقيم الجيل، بما تتضمنه من ميل إلى الاختصار، والسخرية من الذات، والاهتمام بالصحة النفسية، والمزج بين الحياة الرقمية والواقع اليومي.