كشفت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية عن تحول جوهري في بنية الإنفاق الحكومي الموجه نحو التنمية المجتمعية، إذ سجل بند المنافع الاجتماعية ارتفاعاً إلى قرابة 22 مليار درهم (6 مليارات دولار) خلال 2025، مقارنة بـ17.4 مليار درهم (4.7 مليار دولار) في 2024.

الارتفاع القياسي في هذا البند يرسخ صدارة ملف الحماية الاجتماعية للأولويات التنموية في الدولة، ويتزامن مع مرونة هيكلية ملحوظة في الميزانية العامة، تترجم قوة العوائد المالية وثبات السياسات الضريبية والنمو المطرد للقطاعات غير النفطية.

هيكلة شاملة لبرامج الدعم

شهدت منظومة الدعم الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة سلسلة من عمليات الهيكلة الشاملة لبرامج الدعم المالي المخصصة لذوي الدخل المحدود، شملت رفع مخصصات الأسر، وتقديم علاوات لمواجهة تداعيات التضخم العالمي في أسعار السلع الأساسية، مثل الوقود والمواد الغذائية والكهرباء والماء.

بحسب الجهات المعنية بتقديم الدعم الاجتماعي، لا يقتصر التوسع في هذا الإنفاق على المساعدات النقدية المباشرة، بل يمتد إلى محاور إستراتيجية متعددة، منها تمكين الكفاءات الوطنية عبر المخصصات المالية لبرامج التوظيف، مثل برنامج "نافس" الداعم لرواتب المواطنين في القطاع الخاص.

يشمل التوسع كذلك ترسيخ الاستقرار السكني، عبر تكثيف القروض والمنح السكنية غير المستردة الرامية إلى توفير السكن الملائم والحديث للأسرة المواطنة بوصفه الركيزة الأساسية للاستقرار، إضافة إلى رعاية الفئات المستحقة، عبر زيادة المخصصات المالية الشهرية لكبار المواطنين وأصحاب الهمم والمطلقات والأرامل، لضمان دمجهم الكامل وتوفير متطلبات الحياة الكريمة لهم.

18.6 مليار درهم استثمارات الحكومة الإماراتية في الأصول الثابتة خلال 3 أشهر  - موقع 24سجلت مالية الحكومة في دولة الإمارات تحولاً استراتيجياً خلال الربع الأول من عام 2026، تمثّل في طفرة استثنائية وغير مسبوقة في حجم الإنفاق الاستثماري الموجه للأصول الرأسمالية والمشاريع التنموية طويلة الأجل.

الأثر المضاعف للإنفاق

وفي قراءة تحليلية لهذه البيانات، يقول خبير الاقتصاد الدكتور أحمد الهاشم: "إن قفزة الإنفاق على المنافع الاجتماعية بنسبة 26.4% لتبلغ 22 مليار درهم ليست مجرد إجراء مالي حمائي مؤقت، بل خطوة مدروسة تقع في قلب نظرية النمو الاقتصادي الشامل، فحكومة الإمارات تدرك أن تحصين الجبهة الداخلية اجتماعياً هو الضمانة الأساسية لاستمرار النمو الشامل وبناء بيئة أعمال مستقرة وجاذبة".

ويضيف "من منظور الاقتصاد الكلي، يخلق توجيه الدعم للفئات الأكثر حاجة ما يُعرف بالأثر المضاعف للإنفاق، فهذه الأموال لا تُدخر، بل تتدفق فوراً وبشكل مباشر إلى السوق المحلية لتمويل شراء السلع والخدمات والعقارات والتعليم".

ويشير إلى أن "هذا الضخ النقدي يعمل كمحرك توربيني ينشط قطاعات التجزئة والضيافة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ما يؤدي في النهاية إلى تنشيط الدورة الاقتصادية وإعادة تدوير المبالغ إيرادات حكومية غير مباشرة".

ويختتم قائلاً: "البيانات تؤكد أن النموذج الإماراتي ينجح في الموازنة بين جذب الاستثمارات الرأسمالية الضخمة في البنية التحتية، والاستثمار المباشر في رأس المال البشري، وهذه الرؤية تضمن عدم ترك أي فئة خلف الركب التنموي، وتدعم مفهوم المواطنة الاقتصادية المستدامة".

كيف عزز رأس المال والسيولة قوة القطاع المصرفي الإماراتي؟ - موقع 24أعاد صندوق النقد الدولي تسليط الضوء على متانة القطاع المصرفي الإماراتي، مؤكداً أن البنوك حافظت على مستويات كافية من رأس المال والسيولة، بالتزامن مع استمرار نمو الائتمان والودائع، مستندة إلى مراكز مالية قوية.

معادلة الرفاه والإنتاجية

النمو المتواصل في الإنفاق الاجتماعي يسير بالتوازي مع أداء مالي متين للدولة، فبحسب تقارير وزارة المالية المنشورة، حافظت الإيرادات الحكومية المجمعة على مستويات قوية ترتكز أساساً على تنوع الموارد الاقتصادية، وبالتالي لا تشكل زيادة الإنفاق الاجتماعي عبئاً على الموازنة، بل تمثل إعادة توزيع ذكية ومستدامة لثمار النمو.

ويسهم رفع المنافع الاجتماعية في معالجة واحدة من كبريات المشكلات التي تواجه الاقتصادات المعاصرة، وهي التضخم المستورد، فمع ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف سلاسل الإمداد عالمياً، تتدخل الدولة بصفتها الموازن الاقتصادي لامتصاص الصدمات وحماية القوة الشرائية للأسر، وتحمي هذه الرعاية الاستباقية القطاع العائلي من الدخول في دوامات المديونية، وتضمن الحفاظ على مستويات استهلاك محلية مستقرة ومتنامية.

وترتبط هذه المنافع بإنتاجية سوق العمل، فحين توفر الدولة بيئة حماية اجتماعية قوية تشمل التعليم الجامعي والرعاية الصحية المتقدمة وبدلات السكن المواتية، فإنها ترفع عن كاهل المواطن الأعباء المعيشية الضاغطة، ما يتيح له التركيز على الإبداع والابتكار ورفع مستوى مساهمته في الاقتصاد المعرفي الجديد.

وبلغة الأرقام، تُظهر مالية الحكومة الإماراتية أن البُعد الاجتماعي يمثل جوهر الفلسفة الاقتصادية للدولة، وأن الانتقال بالإنفاق من 17.4 مليار درهم إلى ما يتخطى 22 مليار درهم في فترة وجيزة يبعث برسالة واضحة، مفادها أن الإمارات تضع "جودة الحياة" و"السعادة المجتمعية" معيارين أساسيين لتقييم نجاح تجربتها التنموية الشاملة.