كبّد القلق والاحتراق الوظيفي الاقتصاد العالمي 10 تريليونات دولار من الخسائر المالية خلال عام 2025، بما يعادل 9% من إجمالي الاقتصاد العالمي، وأن معدل اندماج الموظفين داخل بيئات العمل انخفض إلى 20% فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 2020، وفق تقرير لمنظمة "غالوب".

الاحتراق الوظيفي: حالة من الإرهاق المزمن المرتبط بضغوط العمل، يفقد معها الموظف طاقته وحماسه وقدرته على الإنجاز.

ويعني ذلك أن أربعة من كل خمسة موظفين يعملون دون ارتباط حقيقي بوظائفهم، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية وجودة الأداء، ويزيد من انتشار "الاحتراق الوظيفي"؛ ليتحوّل التوتر والضغوط النفسية من قضية تتعلق بالموارد البشرية إلى تكلفة مالية تتحملها الشركات.

خسائر تريليونية بسبب القلق

وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب والقلق يتسببان في خسائر اقتصادية تبلغ تريليون دولار سنوياً، نتيجة انخفاض الإنتاجية وزيادة التغيب عن العمل، موضحة أن كل دولار يُستثمر في برامج الدعم النفسي يُحقق عائداً يصل إلى أربعة دولارات، عبر تقليل الغياب وتحسين الأداء والاحتفاظ بالموظفين.

وتبرز كلفة أخرى تتمثل في ظاهرة "الحضور دون إنتاجية"، وهي حالة يحضر فيها الموظف إلى مقر العمل رغم معاناته من التوتر والضغوط أو الانهاك الوظيفي، ما يجعله يعمل بكفاءة أقل. ووفق دراسة نشرتها "المجلة الأمريكية للطب الوقائي"، فإن 89% من التكلفة الاقتصادية للاحتراق الوظيفي تعود إلى هذه الظاهرة، مقابل نسبة محدودة فقط ترتبط بالغياب عن العمل.

وتقدّر الدراسة تكلفة "الاحتراق الوظيفي" بنحو 3999 دولاراً سنوياً للموظف الواحد، بينما ترتفع إلى 10824 دولاراً للمدير الإداري، وتصل إلى أكثر من 20683 دولاراً للرؤساء التنفيذيين، نتيجة تأثير الضغوط على جودة القرارات والإنتاجية.

كل استقالة فاتورة جديدة

ويمتد أثر الضغوط إلى زيادة معدلات الاستقالة، وهي من أكثر البنود كلفة على الشركات، إذ تشير تقديرات شركة "سنتريك إتش آر" إلى أن تكلفة استبدال أحد كبار التنفيذيين قد تصل إلى 213% من راتبه السنوي، بعد احتساب تكاليف التوظيف والتدريب وفقدان الخبرات وتراجع الإنتاجية خلال فترة البحث عن بديل.

كما أظهر تقرير غالوب أن المديرين أصبحوا من أكثر الفئات تعرضاً للاحتراق الوظيفي، بعدما انخفض معدل اندماجهم من 31% في 2022 إلى 22% في 2025، وهو ما يضاعف الخسائر لأن ضعف أداء المدير ينعكس على فرق العمل بأكملها.

في نفس السياق، قدّر تقرير غرفة التجارة الأمريكية الخسائر غير المباشرة الناجمة عن اضطرابات الصحة النفسية في منطقة الشرق الأوسط بنحو 100 مليار دولار سنوياً، موضحاً أن 60% من موظفي المكاتب في المنطقة يعانون ضغوطاً أو تحديات نفسية، بينما لا يحصل سوى 15% منهم على خدمات دعم نفسي داخل أماكن العمل.

وسط الأزمات العالمية.. كيف تحمي صحتك النفسية من ضغط الأخبار؟ - موقع 24بينما يستيقظ الأشخاص في مطلع الأسبوع على عناوين أخبار تتعلق بالحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، تسيطر الأخبار على التنبيهات والإشعارات أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى على النقاشات التي تتم على مائدة الطعام.

كيف تستثمر الشركات في رفاهية الموظفين؟

هذه الخسائر المتزايدة دفعت شركات عالمية إلى التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها استثماراً وليس ميزة إضافية للعاملين؛ فمثلاً تتبنى غوغل مفهوماً شاملاً لرفاهية الموظفين، إذ توفر مراكز رياضية وغرفاً للقيلولة ووجبات صحية مجانية، إلى جانب خدمات دعم الصحة الجسدية والنفسية داخل مقار العمل، مع سياسات عمل مرنة وإمكانية العمل من أي مكان لعدة أسابيع سنوياً. 

بينما تقدّم مايكروسوفت برامج متكاملة تشمل الفحوصات الصحية، ودعم الإقلاع عن التدخين، ومراكز لياقة، ومسارات للمشي والجري، وتمويل الاشتراكات الرياضية، فضلاً عن برامج الإرشاد المهني وشبكات التواصل الداخلية التي تعزز الاندماج والانتماء.

أما Intuit، المتخصصة في البرمجيات المالية والمحاسبية، فتوفّر 12 جلسة استشارة نفسية مجانية سنوياً لكل موظف، إلى جانب جلسات للتأمل الذهني ومخصصات سنوية تصل إلى 1300 دولار لدعم الرفاه الشخصي. فيما تسعي شركة البرمجيات الرائدة Asana إلى الحد من ضغوط العمل من خلال زيادة عدد الأيام الخالية من الاجتماعات، وتخصيص غرف للقيلولة، وجلسات يوغا يومية، ووجبات صحية يعدّها فريق داخلي. كما تُقدّم دعماً للصحة النفسية، وبدلات للياقة البدنية.

الاحتراق الوظيفي.. مخاطر وحلول

أكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، لـ"24"، أن الاحتراق الوظيفي يرتبط أحياناً بطبيعة الشخصية، إذ تكون بعض الشخصيات العصابية أو الانطوائية شديدة التعلق بالعمل، ما يدفعها إلى تحمل أعباء إضافية باستمرار، كما تسهم بيئات العمل التي تفرض ضغوطاً متواصلة وساعات عمل طويلة في زيادة خطر الإصابة بالاحتراق الوظيفي.

وأوضح أن أبرز أعراض الاحتراق الوظيفي تشمل اضطرابات النوم والشهية، وفقدان الشغف، والعصبية غير المبررة، وضعف التركيز والانتباه، محذراً من أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، مثل "متلازمة القلب المكسور"، ويصل في بعض الحالات إلى الوفاة نتيجة الإجهاد المزمن.

وأشار فرويز إلى أن الحد من الاحتراق الوظيفي يبدأ من أصحاب العمل عبر الاستماع إلى الموظفين وإشراكهم في إيجاد الحلول، إلى جانب تنظيم فترات راحة وأنشطة ترفيهية، وتحسين بيئة العمل، والاستعانة بأخصائيين نفسيين لتقديم جلسات دعم، مؤكداً أن هذه الإجراءات تسهم في تعزيز الصحة النفسية وتحسين بيئة العمل.