تتسارع التوترات الجيوسياسية في المنطقة، فيما تعيد الإمارات رسم خريطة تجارتها واستثماراتها خطوة بخطوة. فالمسألة لم تعد تقتصر على إيجاد بدائل لمضيق هرمز، بل تمتد إلى بناء ممرات برية جديدة، وتوسيع الحضور الاستثماري في سوريا، استعداداً لمرحلة مختلفة في حركة التجارة الإقليمية.

وفي تصريحات خاصة لقناة CNBC عربية، يكشف الدكتور ثاني الزيودي، وزير التجارة الخارجية بدولة الإمارات، عن ملامح هذه الخطة، معلناً بدء تنفيذ استراتيجية تهدف إلى إنهاء الاعتماد على مضيق هرمز في تصدير النفط، إلى جانب تسريع الاستثمارات في محور تركيا– البصرة، وحزمة مشاريع جديدة في سوريا تشمل المناطق الحرة والزراعة والقطاعين المصرفي والعقاري.

يقول الزيودي: "بدأنا تنفيذ خطة تقليل الاعتماد على مضيق هرمز للوصول لنسبة صفر اعتماد، خاصة فيما يتعلق بقطاع النفط".
ويضيف "العمل جارٍ على المسار البديل لتصدير النفط، ونتوقع أن يكون جاهزاً قبل نهاية العام الحالي، ونجري حالياً دراسة إنشاء مسار ثالث يستوعب أي توسعات مستقبلية في الإنتاج".

محور تركيا - البصرة

لا تتوقف الخطة عند مسارات الطاقة، إذ تتجه الإمارات أيضاً لتعزيز الربط البري مع المنطقة عبر مشروع "طريق التنمية"، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أكبر مشاريع النقل في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يقول الزيودي: "ربط الإمارات بمدينة البصرة العراقية ومنها إلى تركيا وسوريا يمثل مشروعاً استراتيجياً مهماً للغاية، ونخطط لتسريع الاستثمارات المرتبطة بتطوير محور تركيا - البصرة خلال الفترة المقبلة".

وكانت الإمارات والعراق وتركيا وقطر وقعت مذكرة تفاهم رباعية للتعاون في مشروع "طريق التنمية" في بغداد خلال أبريل (نيسان) 2024، بحضور رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فيما وقعها عن الجانب الإماراتي سهيل المزروعي، وزير الطاقة والبنية التحتية، وفق وكالة أنباء الإمارات "وام".

وقال السوداني خلال مراسم التوقيع، بحسب وكالة الأنباء العراقية، إن "طريق التنمية سينقل المنطقة اقتصادياً"، مضيفاً أنه "لن يكون لاختصار المسافات فقط، بل سيتحول إلى جسر رابط بين شعوب المنطقة وثقافاتها، وسيدعم الأمن والاستقرار".

ويمتد المشروع عبر شبكة من الطرق البرية والسكك الحديدية بطول 1200 كيلومتر داخل العراق وصولاً إلى تركيا وموانئها، بهدف نقل البضائع بين الخليج وأوروبا. ووفق وكالة "الأناضول" التركية، ويقول وزير النقل والبنية التحتية التركي عبدالقادر أورال أوغلو، إن "مدة شحن البضائع ستنخفض إلى 25 يوماً عند اكتمال المشروع، مقارنة بـ35 يوماً عبر قناة السويس وأكثر من 45 يوماً عبر رأس الرجاء الصالح".

وكانت الإمارات أبدت اهتمامها المبكر بالمشروع، إذ ترأس سهيل المزروعي وفد الدولة إلى مؤتمر "طريق التنمية" في بغداد خلال مايو (أيار) 2023، بمشاركة ممثلين عن وزارة الخارجية ووزارة الطاقة والبنية التحتية والاتحاد للقطارات ومجموعة موانئ أبوظبي، ودعا آنذاك إلى تشكيل لجان فنية لوضع تصور متكامل لمشاركة الدول في المشروع، بحسب "وام".

المناطق الحرة والزراعة في سوريا

وبالتوازي مع تطوير الممرات التجارية، تتحرك الإمارات لتوسيع حضورها الاستثماري في سوريا عبر عدة قطاعات.

الوزير الزيودي يقول: "هناك خطط لتطوير عدد من المناطق الحرة في سوريا، ونشهد تقدماً في دراسات الجدوى الخاصة بالمشروعات الزراعية. وندرس فرص الاستثمار في القطاع المصرفي بسوريا بشكل مفصل، وأخرى في قطاع التكنولوجيا".

تأتي هذه الخطط بعد توقيع مجموعة موانئ دبي العالمية "دي بي ورلد" اتفاقية امتياز لمدة 30 عاماً مع الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس باستثمار 800 مليون دولار (2.93 مليار درهم)، وذلك خلال يوليو (تموز) 2025، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، وفق "وام".

وبحسب المكتب الإعلامي لحكومة دبي، تشمل الاتفاقية أيضاً استكشاف فرص لتطوير مناطق حرة ومراكز لوجستية وممرات عبور استراتيجية، فيما بحثت المجموعة مع الهيئة السورية في مايو (أيار) الماضي تسريع تنفيذ المشروع، وفق بيان الشركة.

مشاريع العبار.. العد التنازلي

وفي القطاع العقاري، يشير الزيودي إلى أن مرحلة التنفيذ أصبحت قريبة، قائلاً: "نتوقع خلال الشهرين أو الثلاثة أشهر المقبلة أن تبدأ الخطوات التنفيذية لمشاريع العبار في القطاع العقاري بسوريا".

ويخطط محمد العبار، مؤسّس "إعمار" و"نون" ورئيس مجلس إدارة إيجل هيلز، لإطلاق مشروعين للإسكان والسياحة في دمشق واللاذقية بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار (73.5 مليار درهم). ومن المقرر أن تتولى إدارة المشروعين شركة تؤسس بالشراكة بين الحكومة السورية ومستثمرين خليجيين وسوريين، فيما توفر الحكومة الأراضي اللازمة، بينما لا تزال ترتيبات التمويل قيد الإعداد، وفق تصريحات العبار لوكالة  "بلومبرغ".