لأكثر من عقدين، كانت المؤسسات الإعلامية تتنافس على الظهور في الصفحة الأولى من نتائج بحث غوغل باعتبارها البوابة الأكبر لجذب القراء والإعلانات.
تحوّلت أدوات الذكاء الاصطناعي من وسيلة لتعزيز الزيارات إلى منافس يعرض المحتوى للمستخدمين مباشرة، من دون أن يمنح المواقع الإخبارية الزيارات التي بنت عليها نموذج أعمالها.
لذلك، لم يعد السؤال المطروح داخل المؤسسات الإعلامية هو كيفية تحسين الظهور في نتائج غوغل، بل متى تصبح كلفة البقاء داخل منظومتها أكبر من كلفة مغادرتها.
أما اليوم، بدأت العلاقة بين الطرفين تدخل مرحلة جديدة، مع شروع عدد متزايد من الناشرين في مناقشة حجب محتواهم عن غوغل أو تقييد وصولها إليه، بعد أن تحوّلت أدوات الذكاء الاصطناعي من وسيلة لتعزيز الزيارات إلى منافس يعرض المحتوى للمستخدمين مباشرة، من دون أن يمنح المواقع الإخبارية الزيارات التي بنت عليها نموذج أعمالها.
غضب المؤسسات الكبرى
هذه النقاشات اتسعت لتشمل بعضاً من أكبر المؤسسات الإعلامية، من بينها رويترز، ومجلة بيبول، وReddit وUSA Today وPolitico وThe Economist. ووفق صحيفة "وول ستريت جورنال"، تعيد هذه المؤسسات حالياً تقييم علاقتها مع غوغل في ظل التراجع المستمر للزيارات القادمة من محرك البحث، ما يضع نموذج الإيرادات الذي اعتمد عليه الناشرون لسنوات تحت ضغط متزايد.
وتقف منصة Reddit في قلب هذه المراجعة؛ فالشركة، التي وقعت مع غوغل عام 2024 اتفاقاً بقيمة 60 مليون دولار سنوياً يسمح باستخدام محتواها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بدأت تراجع جدوى استمرار الاتفاق مع اقتراب موعد تجديده.
وبحسب مسؤولي الشركة، فإن المحتوى الذي يغذي نماذج غوغل أصبح يساهم في إنتاج إجابات تقلل في النهاية عدد المستخدمين الذين يزورون Reddit نفسه.

حجم خسائر الزيارات
الأرقام توضح لماذا تغيّرت نظرة الناشرين إلى غوغل، فبيانات شركة Semrush تشير إلى أن الزيارات القادمة من محرك البحث إلى النسخة الأمريكية من USA Today هبطت بنحو النصف خلال عام واحد فقط، بين يونيو (حزيران) 2025 ويونيو 2026. وخلال الفترة نفسها تراجعت الزيارات إلى Politico بنسبة 23%، وإلى CNN بنحو 25%، بينما كانت الضربة الأقسى من نصيب Business Insider الذي فقد أكثر من 85% من زياراته القادمة من البحث.
في المقابل، تؤكد غوغل أن مزايا البحث المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لا تحرم المواقع من الجمهور، بل ترسل "مليارات النقرات" إلى الويب كل أسبوع، مشيرة إلى أن أدواتها الجديدة تساعد الناشرين على تنمية جمهورهم وتمنحهم وسائل للتحكم في كيفية استخدام محتواهم.
البحث عن خطة بديلة
هذا التراجع دفع مؤسسات إعلامية إلى إعادة رسم استراتيجياتها، حيث أكد الرئيس التنفيذي لـUSA Today، مايك ريد، أن شركته مستعدة لإيقاف وصول غوغل إلى محتواها إذا استمر انخفاض حركة البحث، موضحاً أنها تستعد بالفعل لمستقبل تقل فيه الإيرادات القادمة من محرك البحث.
وفي الوقت نفسه، عزّزت الشركة حضورها عبر النشرات البريدية ومنصات التواصل الاجتماعي والفعاليات، بينما أصبحت تعتمد بصورة أكبر على اتفاقيات ترخيص المحتوى مع شركات مثل ميتا ومايكروسوفت وأمازون، بدلًا من الرهان الكامل على الزيارات المجانية القادمة من غوغل.
ولا تخوض الشركة هذه المعركة من زاوية الزيارات وحدها، إذ رفعت أيضاً دعوى قضائية ضد غوغل تتهمها فيها باحتكار سوق تقنيات الإعلانات، وهو ما تقول إنه أضرّ بإيرادات الناشرين.

مأزق غوغل.. خياران كلاهما مكلف
اللافت أن الأزمة لا تتعلق فقط بانخفاض أعداد الزيارات، بل بطريقة استخدام المحتوى نفسه، فوفق شركة Cloudflare، أصبحت الروبوتات تمثل أكثر من نصف حركة الإنترنت، ويستخدم كثير منها مقالات الناشرين لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو للإجابة عن استفسارات المستخدمين، بينما تجمع روبوتات أخرى المحتوى لإعادة بيعه أو استخدامه في خدمات مختلفة.
وتكمن المشكلة الأكبر في أن غوغل تعتمد فعلياً على روبوت زحف واحد يقوم بوظيفتين في الوقت نفسه؛ فهرسة المواقع داخل محرك البحث، وجمع البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وبهذا يجد الناشر نفسه أمام خيار صعب: إما السماح بالوظيفتين معاً، أو حجبهما معاً، وهو ما يعني أيضاً اختفاء موقعه من نتائج البحث.
بعد انقطاع خدماتها لساعات.. ما هي "كلاودفلير" التي عطّلت مواقع كبرى؟ - موقع 24تعرّضت شركة كلاودفلير cloudflare، المزود العالمي لخدمات البنية التحتية للإنترنت والأمن السيبراني، إلى عطل واسع اليوم الثلاثاء أدّى إلى تعطّل عدد كبير من المواقع والخدمات الرقمية حول العالم..
بدورها، طرحت غوغل خدمة "Google Extended" التي تتيح للناشرين منع استخدام محتواهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مع البقاء في نتائج البحث، كما أعلنت لاحقاً أدوات جديدة استجابة لقرار تنظيمي بريطاني يمنح أصحاب المواقع حرية أكبر في تحديد كيفية استخدام محتواهم داخل خدمات الذكاء الاصطناعي.
غير أن كثيراً من المؤسسات الإعلامية لا يزال ينظر إلى هذه الحلول بحذر، خشية أن يؤثر رفض المشاركة في منتجات الذكاء الاصطناعي على ظهور مواقعها مستقبلاً، حتى لو أكدت غوغل أن هذه الأدوات لا تمس ترتيب نتائج البحث التقليدية.

حيل مواجهة الروبوتات
هذا التردد دفع مؤسسات إعلامية إلى دراسة خيارات أكثر تشدداً، ففي Politico تدور مناقشات حول فرض تسجيل دخول إلزامي للوصول إلى بعض المواد المجانية، بما يصعّب مهمة روبوتات الذكاء الاصطناعي في جمع المحتوى.
أما "رويترز" فتدرس بدورها حجب روبوت غوغل عن منصتها الإخبارية الموجهة للمستهلكين، مع تقييم المكاسب والخسائر الاقتصادية لهذه الخطوة، بينما تؤكد The Economist أنها تناقش، منذ القرار البريطاني الذي منح الناشرين حق حجب محتواهم عن ميزات البحث بالذكاء الاصطناعي، إمكانية الانسحاب من بعض مزايا البحث القائمة على الذكاء الاصطناعي، وإن كانت لا تفكر حالياً في مغادرة غوغل بالكامل.
وفي People Inc، انخفضت مساهمة غوغل في حركة الزيارات إلى نحو 25% فقط خلال الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بأكثر من نصف الزيارات قبل عامين. ورغم استمرار الشركة في السماح لغوغل باستخدام محتواها، فإن رئيسها التنفيذي نيل فوغل أكد أن خيار حجب روبوتات غوغل "مطروح بنسبة 100%".
كما دخلت شركات التكنولوجيا على خط المواجهة، إذ أعلنت Cloudflare أنها ستبدأ في 15 سبتمبر (أيلول) المقبل حظر روبوتات الزحف متعددة الأغراض افتراضياً على جميع المواقع الجديدة التي تستخدم خدماتها، وكذلك على المواقع الموجودة ضمن الخطة المجانية، ما لم يقرر أصحاب المواقع السماح بها.
ويستهدف القرار بالأساس روبوت غوغل، الذي يجمع بين فهرسة المواقع وتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي، بينما تقول Cloudflare إنها تسعى إلى حل تقني يسمح للمواقع بالظهور في نتائج البحث من دون الاضطرار إلى تقديم محتواها مجاناً لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

هل تصبح الروبوتات جمهوراً جديداً؟
في المقابل، اختارت بعض المؤسسات الإعلامية التكيف مع الواقع الجديد بدلاً من مقاومته؛ فمثلاً مجلة Time تعمل على تطوير خدمات تجارية تساعد العلامات التجارية على تحسين حضورها داخل إجابات روبوتات الدردشة، عبر تحليل كيفية ظهورها في منصات مثل شات جي بي تي وجيميناي، ثم تقديم محتوى واستراتيجيات تستهدف زيادة الاستشهاد بها في تلك الإجابات، فيما يعرف بـ تحسين الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي (GEO).
ويلخص مارك هوارد، المدير التنفيذي للعمليات في Time، هذا التحول بقوله إن المؤسسات الإعلامية أصبحت تخاطب جمهورين في الوقت نفسه: البشر الذين يزورون المواقع، والروبوتات التي تقرأ المحتوى وتعيد إنتاجه داخل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
معركة اقتصاد المحتوى
غير أنه وراء هذه التحركات يدور تفاوض أكبر حول مستقبل صناعة الإعلام، فكلما تراجعت قيمة الزيارات القادمة من محركات البحث، ازدادت قيمة المحتوى نفسه كورقة تفاوض، وهو ما يدفع الناشرين إلى المطالبة باتفاقيات ترخيص أوسع وتعويضات عادلة مقابل استخدام أعمالهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
لذلك، لم يعد السؤال المطروح داخل المؤسسات الإعلامية هو كيفية تحسين الظهور في نتائج غوغل، بل متى تصبح كلفة البقاء داخل منظومتها أكبر من كلفة مغادرتها.
وإذا استمرت العلاقة على هذا النحو، فقد تجد غوغل نفسها أمام موجة غير مسبوقة من الناشرين المستعدين للتخلي عن أكبر مصدر للزيارات على الإنترنت، في خطوة كان يُنظر إليها حتى وقت قريب باعتبارها أقرب إلى المستحيل.