تسعى أوروبا إلى مضاعفة اعتماد اقتصادها على الكهرباء خلال أقل من 15 عاماً، في تحول تصفه المفوضية الأوروبية بأنه خطوة نحو جعل الاتحاد الأوروبي أول "قارة كهربائية" في العالم، عبر تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، الذي يشكل نحو 69% من إجمالي استهلاك الطاقة في الاتحاد الأوروبي، وفق بيانات يوروستات.
خبير يوضح كيف أصبحت الكهرباء جزءاً من استراتيجية التنافسية الصناعية وليست مجرد سياسة مناخية
أطلقت المفوضية الأوروبية في 17 يوليو (تموز) 2026 خطة العمل للكهرباء (Electrification Action Plan)، التي تستهدف رفع حصة الكهرباء من الاستهلاك النهائي للطاقة من 23% حالياً إلى 32% بحلول 2030، ثم 46% بحلول 2040. وتتوقع المفوضية أن يسهم هذا التحول في خفض فاتورة واردات الوقود الأحفوري بنحو 260 مليار يورو سنوياً في 2040، إلى جانب تعزيز أمن الطاقة ورفع تنافسية الاقتصاد الأوروبي.
الكهرباء ركيزة للتنافسية
ولا تنظر المفوضية الأوروبية إلى الكهربة باعتبارها سياسة مناخية فحسب، بل كجزء من الحزمة الصناعية الأوروبية (Clean Industrial Deal)، التي تهدف إلى خفض تكاليف الطاقة، وتعزيز تنافسية الصناعة الأوروبية، وتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، وتسريع الاستثمار في التقنيات النظيفة.
ويرى أحمد عبدالهادي مهندس أنظمة الطاقة في السويد، أن ربط "خطة الكهربة" بهذه الحزمة يعكس تحولاً في أولويات الاتحاد الأوروبي، إذ أصبحت الكهرباء جزءاً من السياسة الصناعية بقدر ما هي جزء من السياسة المناخية. ويوضح أن التحول نحو "القارة الكهربائية" يمثل إعادة هيكلة للاقتصاد الأوروبي أكثر منه مجرد تحول في مصادر الطاقة، لأن زيادة الاعتماد على الكهرباء المنتجة داخل أوروبا تقلل الإنفاق على الوقود المستورد، وتحد من تعرض الشركات لتقلبات أسعار الطاقة العالمية، بما يعزز القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، ويخفض تكاليف الإنتاج، ويجذب الاستثمارات، ويعزز أمن الطاقة.
مزيج كهربائي أكثر استدامة
ورغم أن الكهرباء تمثل حالياً نحو 23% فقط من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة في الاتحاد الأوروبي، فإن إنتاجها يعتمد بصورة متزايدة على مصادر منخفضة الانبعاثات، وفق المفوضية الأوروبية.
وتشير بيانات يوروستات إلى أن مصادر الطاقة المتجددة وفرت 49.9% من الكهرباء المستهلكة في الاتحاد الأوروبي خلال 2025، فيما بلغت حصة الطاقة النووية 23.4%، مقابل 26.1% لمحطات الوقود الأحفوري.

كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات
ويؤكد عبدالهادي أن نجاح "الكهربة" لا يرتبط بمصدر واحد للطاقة، وإنما بقدرة الدول على توفير كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات، موضحاً أن التوسع في السيارات الكهربائية والتدفئة الكهربائية يتطلب إمدادات موثوقة على مدار الساعة، ما يفسر اعتماد عدد من الدول الأوروبية على مزيج يجمع بين الطاقة المتجددة والطاقة النووية.
ويضرب مثالاً بالسويد التي يعتمد نظامها الكهربائي على الطاقة الكهرومائية والطاقة النووية، وفرنسا التي يعتمد إنتاج الكهرباء فيها بصورة رئيسية على الطاقة النووية، ما وفر استقراراً في الإمدادات ودعم التحول نحو كهربة قطاعات مختلفة من الاقتصاد.
ثلاثة قطاعات تقود التحول
تركز الخطة الأوروبية على النقل والصناعة والمباني، باعتبارها القطاعات الأكثر استهلاكاً للطاقة والأعلى في الانبعاثات. ففي قطاع النقل، تستهدف التوسع في السيارات والشاحنات الكهربائية، وزيادة محطات الشحن، وتوسيع كهربة السكك الحديدية، مع الاعتماد على الهيدروجين والوقود المتجدد في القطاعات التي يصعب تشغيلها بالكهرباء المباشرة، مثل الطيران والشحن البحري.
أما قطاع المباني، فذكرت المفوضية الأوروبية أن الخطة تشمل استبدال أنظمة التدفئة العاملة بالغاز والوقود الأحفوري بمضخات حرارية كهربائية، إلى جانب رفع كفاءة استخدام الطاقة.
وفي القطاع الصناعي، تركز الخطة على زيادة الاعتماد على الكهرباء في العمليات التي يمكن تشغيلها كهربائياً، مع توسيع استخدام الهيدروجين منخفض الانبعاثات في الصناعات الثقيلة، مثل الحديد والصلب والصناعات الكيميائية.
ويرى عبدالهادي أن اختيار هذه القطاعات لم يأتِ مصادفة، لأنها تستحوذ على الجزء الأكبر من استهلاك الطاقة في أوروبا، وبالتالي فإن تسريع كهربتها يحقق أكبر أثر اقتصادي من خلال خفض استهلاك الوقود الأحفوري، وتقليل تكاليف الإنتاج، وتحسين تنافسية الصناعة الأوروبية على المدى الطويل.
ويشير عبدالهادي إلى أن التحول نحو الصناعة الكهربائية لا يزال يواجه تحديات تقنية في بعض الصناعات الثقيلة، إلا أن أوروبا بدأت بالفعل تطبيق نماذج عملية لتجاوزها. ويستشهد بمشروع HYBRIT في السويد، الذي يعتمد على الهيدروجين بدلاً من الفحم في إنتاج الفولاذ، معتبراً أنه يبرهن على إمكانية خفض الانبعاثات في الصناعات الثقيلة دون التخلي عن القدرة التنافسية.
البنية التحتية.. التحدي الأكبر
ولا تقتصر الخطة على زيادة إنتاج الكهرباء، بل تشمل أيضاً تحديث شبكات النقل والتوزيع، وتسريع نشر الشبكات الذكية، وزيادة قدرات التخزين باستخدام البطاريات وتقنيات التخزين الأخرى، إلى جانب تسريع إجراءات منح التراخيص لمشروعات الطاقة، ومراجعة الرسوم والضرائب المرتبطة بالكهرباء لتشجيع استخدامها في مختلف القطاعات.
ويؤكد عبدالهادي أن نجاح الخطة سيعتمد بدرجة كبيرة على تطوير البنية التحتية، موضحاً أن زيادة إنتاج الكهرباء وحدها لن تكون كافية إذا لم تتمكن شبكات النقل والتوزيع من استيعاب الطلب المتزايد الناتج عن انتشار السيارات الكهربائية، ومضخات الحرارة، وتحول المصانع إلى الكهرباء، إضافة إلى أهمية تعزيز الربط الكهربائي بين الدول الأوروبية وتوسيع قدرات التخزين لضمان استقرار الإمدادات.
ويخلص إلى أن نجاح أوروبا في رفع حصة الكهرباء إلى 46% بحلول 2040 لن يقاس فقط بكمية الكهرباء المنتجة، بل بقدرتها على تحويل هذا التحول إلى مكاسب اقتصادية تقلل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، وتخفض تكاليف الإنتاج، وتعزز تنافسية الاقتصاد الأوروبي على المدى الطويل.