قبل 4 أعوام، دفعت الحرب الروسية الأوكرانية أسعار الطاقة نحو قفزة كبيرة، إلا أن الاقتصاد العالمي امتلك آنذاك أدوات ساعدته على امتصاص الصدمة. ومع تجدد الأزمة بفعل توترات الشرق الأوسط، واقتراب النفط من 100 دولار للبرميل، يبدو أن العالم لم يعد يملك المرونة نفسها، فالديون الحكومية أعلى، والاقتراض أغلى، والموازنات لا تزال تحمل آثار الجائحة وأزمة الطاقة السابقة.

الطلب ساعد على تهدئة أزمة 2022.. وكلفة الاقتراض تضاعف ضغوط صدمة 2026

وعلى الرغم من أن الاقتصادات الآن أصبحت أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، ووسعت الاعتماد على المصادر المتجددة، إلا أن هذه المرونة تصطدم بقيود مالية أكبر، فدعم أسعار الطاقة أصبح أكثر كلفة على الحكومات، والمخزونات لا يمكن الاعتماد عليها إلى ما لا نهاية.

الطلب يعود قبل اكتمال الإمدادات

تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أدى إلى حجب 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات المكررة، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي.

ورغم حجم الاضطراب، ساعد انخفاض الطلب وزيادة الإنتاج والسحب من المخزونات التجارية والاستراتيجية على منع قفزة أكبر في الأسعار.

لكن هذا التوازن لا يستمر طويلاً، إذ تتوقع "وكالة الطاقة الدولية" ارتفاع الاستهلاك إلى أكثر من 8 ملايين برميل يومياً بين مايو (أيار) وأكتوبر (تشرين الأول) 2026، بالتزامن مع موسم السفر وعودة الطلب الذي تأجل خلال ذروة الاضطرابات.

ومن المتوقع أن يبدأ الطلب في التعافي مع النصف الثاني من 2026، بينما لا يزال الإنتاج العالمي أقل بنحو 9.4 ملايين برميل يومياً عن مستوياته قبل اندلاع الأزمة الحالية.

ضعف الطلب في 2022

بدأت أزمة 2022 أيضاً بصدمة في الإمدادات، لكن ضعف الطلب ساعد لاحقاً على تهدئة الأسعار. وتقول وكالة الطاقة الدولية، إن "الطلب العالمي انكمش بنحو 110 آلاف برميل يومياً على أساس سنوي خلال الربع الأخير من 2022، وهبط خام برنت من القمم التي سجلها بعد اندلاع الحرب إلى قرابة 80 دولاراً بنهاية العام".

ولم يكن الطلب وحده وراء الانخفاض، إذ استمرت صادرات النفط الروسية بمستويات أعلى مما توقعته الأسواق، وارتفع إنتاج دول من خارج المنطقة، كما أطلقت الدول المستهلكة كميات كبيرة من مخزوناتها الاستراتيجية.

مساحة أضيق للمناورة

لا يقتصر الفرق بين أزمتي 2022 و 2026 على أسعار النفط، بل يمتد إلى تكلفة الاقتراض نفسها، فعند اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، كانت الفائدة الأمريكية قريبة من الصفر، وكانت فائدة الإيداع في منطقة اليورو سالبة، أما اليوم، تبلغ الفائدة الأمريكية بين 3.5% و 3.75%، وتصل في منطقة اليورو إلى 2.25%.

وهذا الفارق يجعل التعامل مع صدمة الطاقة الحالية أكثر صعوبة، فخفض الفائدة يدعم النمو، لكنه يزيد التضخم إذا بقيت أسعار النفط مرتفعة، وفي المقابل، فإن رفعها أو إبقاءها عند مستوياتها الحالية يضغط على القروض والاستثمار والإنفاق الحكومي.

لذلك، كانت معضلة البنوك المركزية في 2022 هي سرعة رفع الفائدة، أما اليوم فالمشكلة هي أن صدمة النفط تؤخر خفضها، وتبقي تكلفة الاقتراض مرتفعة لفترة أطول.

ديون أكبر.. وفاتورة إنقاذ أصعب

تأتي الصدمة أيضاً في وقت أصبحت فيه الحكومات أقل قدرة على الاقتراض والإنفاق من دون حساب، إذ بلغ الدين العام العالمي 89.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2022، في مقابل 93.9% في 2025، ويتوقع "صندوق النقد الدولي" وصوله إلى 95.3% خلال 2026، ثم 100% بحلول 2029.

ولا تكمن المشكلة في حجم الدين وحده، بل في تكلفته، فالحكومات تعيد تمويل التزامات صدرت خلال عصر الفائدة المنخفضة بأسعار أعلى، بينما تتنافس مدفوعات الفوائد مع الإنفاق على الدفاع والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.

ويصعب على الحكومات اليوم تكرار ما فعلته في 2022، حين جمدت أسعار الكهرباء، وخفضت ضرائب الوقود، وقدمت دعماً مباشراً للأسر والشركات. وتقدر وكالة الطاقة الدولية قيمة هذه الإجراءات بنحو 940 مليار دولار، لكنها حملت الموازنات العامة كلفة كبيرة، فيما لم يذهب إلى الفئات الأكثر احتياجاً سوى 25% من الدعم.

أما الآن، فمساحة الإنفاق أضيق بسبب ارتفاع الديون وتكلفة الاقتراض، لذلك تواجه الحكومات خياراً صعباً: إما ترك ارتفاع الأسعار يصل إلى المستهلك، أو التدخل مجدداً وتحمل مزيد من العجز والدين.

ومع ذلك، لا يعني ارتفاع الديون والفائدة أن العالم أصبح عاجزاً تماماً أمام صدمات الطاقة. فبحسب صندوق النقد الدولي، ساعد توسع الطاقة المتجددة وانخفاض كمية الطاقة اللازمة لإنتاج كل وحدة من الناتج على جعل كثير من الاقتصادات أكثر قدرة على امتصاص ارتفاع الأسعار.

لكن هذه المرونة توفر وقتاً فقط، إذ يحذر الصندوق من أن السحب من المخزونات وضغط الاستهلاك ساهما في احتواء الصدمة الأولى، لكن هذه المصدات تتراجع. لذلك، قد لا يكمن الخطر في وصول النفط إلى 100 دولار لأيام، بل في بقائه مرتفعاً لأشهر.