تبدأ إندونيسيا في الأول من أغسطس (آب) تنفيذ واحدة من أكبر خطط إصلاح إدارة النفايات في تاريخها، عبر إغلاق 343 مكباً مفتوحاً من أصل 550 موقعاً، وتحويلها إلى مدافن صحية خاضعة للرقابة.

وتراهن الحكومة على خفض التلوث وانبعاثات غاز الميثان، لكن نجاح الخطة يتجاوز البعد البيئي، إذ يختبر قدرة جاكرتا على احتواء أزمة تمتد آثارها من معيشة مئات الآلاف من الأسر إلى الموانئ والممرات البحرية التي تعبرها التجارة العالمية.

أزمة دفعت الحكومة إلى التحرك

جاء القرار بعدما وصلت مكبات رئيسية، في مقدمتها "بانتار جيبانغ" شرق جاكرتا، إلى حدودها القصوى. فالمكب، الممتد على مساحة 272 فداناً، يستقبل 7500 طن من النفايات يومياً، وتحول إلى جبل بارتفاع يقارب 60 متراً، فيما صنفته بيانات مبادرة STOP Methane التابعة لجامعة كاليفورنيا ثاني أكبر مصدر لانبعاثات الميثان في العالم.

وتفاقمت المخاوف بعد انهيار جزء من المكب خلال مارس (آذار) الماضي، ما أدى إلى وفاة 7 أشخاص، بينما لم يعد يعمل سوى بئرين فقط من أصل 12 بئراً كانت مخصصة لالتقاط غاز الميثان، الأمر الذي رفع كلفة إعادة تأهيل الموقع إلى نحو 200 مليار روبية (12 مليون دولار).

فاتورة اجتماعية واقتصادية

التحول إلى المدافن الصحية يفرض تحدياً اجتماعياً هائلاً أيضاً، إذ يعتمد 600 ألف شخص في إندونيسيا على جمع وفرز النفايات كمصدر للدخل، بينهم أكثر من 4 آلاف عامل مسجل في "بانتار جيبانغ" وحده. كما ترتبط بالمكب أنشطة اقتصادية أخرى، مثل تجارة المواد القابلة لإعادة التدوير، والإسكان، والمتاجر الصغيرة التي تخدم العاملين.

وتسعى الحكومة إلى تعويض هذه الوظائف عبر التوسع في إعادة التدوير وتحويل المخلفات العضوية إلى سماد، بالتوازي مع إلزام الأسر بفصل النفايات العضوية عن المواد القابلة لإعادة التدوير داخل المنازل قبل جمعها، وهي ممارسة لا تزال جديدة على معظم السكان.

ويأتي ذلك في وقت لا يعالج فيه النظام الرسمي سوى نحو ربع النفايات اليومية، بينما يُحرق الباقي أو يُلقى في مكبات عشوائية أو يُترك دون إدارة.

أزمة عابرة للحدود

ولا تتوقف المشكلة عند ذلك، إذ تنتج إندونيسيا 7.8 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنوياً، بينما تُصنف 4.9 مليون طن منها كمخلفات غير مُدارة بسبب ضعف البنية التحتية.  

وتبرز هذه المخلفات باعتبارها التحدي الأكبر، إذ يتسرب إلى البحر 1.3 مليون طن منها سنوياً، وهي كمية تكفي لملء 520 حمام سباحة أولمبياً، ما يضع الدولة بين أكبر مصادر التلوث البلاستيكي البحري في العالم.

وزادت الضغوط منذ عام 2018، عندما حظرت الصين استيراد النفايات البلاستيكية، لتتحول إندونيسيا إلى إحدى الوجهات البديلة لشحنات المخلفات القادمة من الولايات المتحدة ودول أوروبية وأستراليا. 

ووفق بيانات وكالة الإحصاء المركزية الإندونيسية، تجاوزت قيمة واردات النفايات البلاستيكية 105 ملايين دولار، فيما انتهى جزء منها إلى مناطق ريفية تفتقر إلى مرافق المعالجة، قبل أن تجرفها الأمطار والفيضانات إلى الأنهار والبحار.

كيف تصل الأزمة إلى التجارة العالمية؟

تنتقل آثار أزمة النفايات إلى التجارة العالمية بشكل غير مباشر، وتحديداً عبر سلسلة من التداعيات تبدأ على اليابسة. فمع ضعف قدرة إندونيسيا على إدارة ملايين الأطنان من المخلفات، تجرف الأمطار والفيضانات كميات كبيرة من النفايات إلى الأنهار، التي تنقل بدورها نحو 83% من البلاستيك المتسرب إلى السواحل والمحيطات.

وهناك تتراكم المخلفات بالقرب من الموانئ والمضايق البحرية، لتتحول من مشكلة بيئية إلى تحدٍّ لوجستي يفرض أعباء إضافية على حركة النقل.

وتنعكس هذه الأوضاع على قطاع الشحن في صورة ارتفاع تكاليف تنظيف الموانئ وصيانة المرافق، إلى جانب المخاطر التي تواجه السفن نتيجة التفاف المخلفات البلاستيكية حول المراوح أو انجرافها في الممرات الملاحية. 

مكب نفايات في تشيلي يتصدر قائمة أخطر مصادر الميثان في العالم - موقع 24نشرت الأمم المتحدة، اليوم الخميس، قائمة تضمّ أكثر 50 موقعاً من صنع البشر ينبعث منها غاز الميثان المسبب للاحترار المناخي، من بينها مكبّ للنفايات في تشيلي وحقول نفط وغاز في تركمانستان.

في الوقت ذاته، تزداد حساسية هذه المخاطر في مضيقي ملقا ولومبوك، اللذين يربطان المحيطين الهندي والهادئ، ويمر عبرهما جزء كبير من تجارة الطاقة والبضائع بين آسيا والأسواق العالمية، ما يعني أن أي اضطراب في كفاءة الملاحة ينعكس على سلاسل الإمداد وتكاليف النقل.

ورغم أن جاكرتا تراهن على إعادة التدوير، ومحطات تحويل النفايات إلى طاقة، وخفض انبعاثات الميثان، فإن نجاح الخطة سيظل مرهوناً بتطوير البنية التحتية، وتغيير سلوك المستهلكين، والحد من تدفق النفايات الأجنبية، حتى لا تتحول جبال القمامة من أزمة محلية إلى تهديد دائم لأحد أهم شرايين التجارة العالمية.