تسارع شركات رأس المال الجريء في الصين إلى إطلاق صناديق استثمارية جديدة للاستفادة من عودة اهتمام المستثمرين بقطاع التكنولوجيا بعد ثلاث سنوات من التراجع الحاد في جمع التمويل.

ووفق بيانات شركة أسانتي كابيتال المتخصصة في الاستشارات والاستثمارات الخاصة، تستهدف الشركات جمع نحو 35 مليار دولار عبر ما لا يقل عن 60 صندوقاً جديداً مقوماً بالدولار، من بينها نحو 40 صندوقاً لرأس المال الجريء.

ويأتي هذا التحرك بعد موجة من الإدراجات الناجحة لشركات التكنولوجيا الصينية، إلى جانب التقدم الذي حققته شركات الذكاء الاصطناعي مثل مونشوت إيه آي وديب سيك، فضلاً عن التطورات في قطاع الروبوتات، ما أعاد الثقة تدريجياً إلى المستثمرين، وفق صحيفة "فايننشال تايمز".

ويقول مستثمرون إن الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي الصينية بات يُنظر إليه كوسيلة للتحوط من الرهانات على السوق الأمريكية، خاصة مع قدرة الشركات الصينية على تقديم نماذج ذكاء اصطناعي بتكاليف أقل.

الصين تبني مستقبلاً مختلفاً للذكاء الاصطناعي - موقع 24في الوقت الذي تنشغل فيه العناوين الغربية بسؤال: من يفوز بسباق الذكاء الاصطناعي؟، تبدو بكين وكأنها تطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: كيف يجب أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي في المجتمع؟. هذا التحول في زاوية النظر لا يعكس اختلافاً تقنياً فحسب، بل يكشف عن تباين عميق في الفلسفة السياسية والاقتصادية بين الصين ...

ومن بين الشركات التي تستعد لإطلاق صناديق جديدة، أو بدأت بالفعل عمليات التسويق لها، إتش إس جي، وآي دي جي كابيتال، وماتريكس بارتنرز تشاينا، وفيوتشر كابيتال، بينما نجحت شركتا جين فند وتشيمينغ في إغلاق جولات تمويل جديدة.

ورغم هذا الانتعاش، يؤكد خبراء أن السوق لم تعد بعد إلى مستويات الازدهار التي شهدتها خلال عامي 2020 و2021، عندما كان المستثمرون العالميون يتنافسون للدخول في صناديق الاستثمار الصينية.

ويقول ريكاردو فيليكس، الشريك ورئيس منطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة أسانتي كابيتال، إن ما يحدث حالياً ليس طفرة جديدة في قطاع رأس المال الجريء الصيني، بل إعادة فتح انتقائية لعمليات جمع التمويل بالدولار بعد ثلاث سنوات من أدنى المستويات المسجلة.

ويشهد قطاع رأس المال الجريء في الصين تراجعاً مطولاً بفعل تباطؤ الاقتصاد المحلي، والقيود الأمريكية على الاستثمار في القطاعات التكنولوجية الحساسة، إضافة إلى تراجع فرص التخارج بعد تشديد السلطات الصينية قواعد إدراج الشركات في البورصة.

وتظهر بيانات منصة بريكوين أن 1105 صناديق استثمار موجهة إلى الصين جمعت نحو 150 مليار دولار في 2022، بينما لم يتمكن سوى 97 صندوقاً من جمع 13.6 مليار دولار خلال العام الماضي.

ويقول أحد مديري الصناديق إن السوق عانت نقصاً حاداً في التمويل خلال الأعوام الثلاثة أو الأربعة الماضية، مضيفاً أن السؤال المطروح حالياً هو ما إذا كان اهتمام المستثمرين سيكون كافياً لتلبية العدد الكبير من الصناديق الجديدة.

وتخطط شركة "إتش إس جي" لإطلاق صندوق يركز على الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، إلى جانب صندوق آخر مقوم باليوان الصيني، فيما تعمل فيوتشر كابيتال على جمع أكثر من 200 مليون دولار لصندوق يستهدف شركات رقائق الذكاء الاصطناعي والتطبيقات العلمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مثل اكتشاف الأدوية.

كما تستعد "آي دي جي كابيتال" لإطلاق صندوق جديد باليوان، إلى جانب سعيها لجمع نحو ملياري دولار لصندوق يركز على الشركات في مراحل النمو.

ويشير مستثمرون إلى أن الصناديق المقومة باليوان أصبحت تعتمد بصورة أكبر على المجموعات الاستثمارية التابعة للحكومات المحلية، التي تمتلك سيولة أكبر، ولم تتأثر بالتغييرات الضريبية التي طالت بعض المستثمرين المؤسسيين.

وفي المقابل، لا يزال عدد من كبار المستثمرين الأمريكيين يتجنبون السوق الصينية بسبب القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على الاستثمار في قطاعات حساسة، مثل أشباه الموصلات والحوسبة الكمية، بينما أبدى مستثمرون من أوروبا والشرق الأوسط اهتماماً متزايداً بالسوق الصينية، في إطار تنويع استثماراتهم بعيداً عن الأصول الأمريكية.

ويرى محللون أن انتعاش سوق الطروحات العامة الأولية ساعد على تحسين شهية المستثمرين، لكنه لا يعني انتهاء التحديات التي يواجهها قطاع رأس المال الجريء في الصين، خاصة مع استمرار المنافسة الشديدة على عدد محدود من الشركات الواعدة في مجال الذكاء الاصطناعي.