هبوط الين الياباني إلى أدنى مستوياته خلال 4 عقود لم يبق أزمة يابانية خالصة، بل استدعى تدخلاً أمريكياً نادراً، بعدما شاركت واشنطن في شراء العملة اليابانية بشكل مباشر خلال الأيام الماضية.
لا تلجأ الولايات المتحدة عادةً إلى التدخل المباشر في أسواق الصرف لدعم عملات دول أخرى، لكنها كسرت هذا النهج مع اليابان، وشاركت في شراء الين بعد تراجعه الحاد.
الاقتصاد الياباني يعاني ضغوطاً متراكمة منذ سنوات، نتيجة أسعار الفائدة المنخفضة للغاية وارتفاع الدين العام إلى أكثر من 200% من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى اعتماد البلاد الكبير على استيراد الطاقة والغذاء.
الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز تحركات أسواق الصرف، في مقدمتها: لماذا قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنقاذ الين الآن؟
وفق شبكة CNN، فإن التدخل الأمريكي حدث بالتنسيق مع وزارة المالية اليابانية بعد هبوط الين إلى 164 يناً مقابل الدولار، قبل أن يرتفع إلى 155 يناً عقب العملية المشتركة، في أول تدخل ثنائي من هذا النوع منذ عام 2011، وأول مشاركة أمريكية لدعم الين منذ نحو ثلاثة عقود.
ورغم أن ترامب برّر الخطوة بأنها "رسالة صداقة" لليابان وأنها تصب في مصلحة الاقتصاد العالمي، فإن القراءة الاقتصادية تبدو أكثر عمقاً من التصريحات السياسية.
تراجع الين.. ما السبب؟
يعاني الاقتصاد الياباني ضغوطاً متراكمة منذ سنوات، نتيجة أسعار الفائدة المنخفضة للغاية وارتفاع الدين العام إلى أكثر من 200% من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى اعتماد البلاد الكبير على استيراد مواد الطاقة والغذاء.
أيضاً الحرب مع إيران زادت من الضغوط بعدما رفعت أسعار النفط والغاز، وهو ما أدى إلى زيادة فاتورة الواردات وتسارع التضخم مع استمرار ضعف العملة.
كما ساهم اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة في تنشيط ما يعرف بتجارة الفائدة، إذ يقترض المستثمرون بالين بفائدة منخفضة ثم يوجهون الأموال إلى أصول بالدولار تحقق عائداً أعلى، وهو ما زاد الضغوط البيعية على العملة اليابانية.
أزمة ثلاثية تخنق اليابان.. الديون والطاقة والفائدة في مواجهة واحدة - موقع 24عندما تولّت ساناي تاكايتشي رئاسة وزراء اليابان في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، صعدت محتضنة طموحات ناخبين أرهقهم الركود وغلاء المعيشة، بعدما قفز تضخم المواد الغذائية ليتجاوز 7%...
ما مصلحة أمريكا؟
خلف التدخل الأمريكي يبرز دافع هام يتعلق بالمصالح المالية لواشنطن نفسها، فوفق صحيفة "الغارديان" اضطرت اليابان خلال محاولاتها السابقة لدعم الين إلى بيع جزء من حيازاتها الضخمة من سندات الخزانة الأمريكية لتوفير السيولة اللازمة للتدخل في سوق الصرف.
واستمرار هذه المبيعات يعني ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، وبالتالي زيادة كلفة اقتراض الحكومة الأمريكية في وقت تواجه فيه واشنطن احتياجات تمويلية ضخمة.
لذلك يرى محللون أن مشاركة الولايات المتحدة في شراء الين قد تكون وسيلة للحد من اضطرار اليابان إلى تصفية المزيد من السندات الأمريكية، بما يحمي سوق الدين الأمريكي بقدر ما يدعم استقرار العملة اليابانية.
ومن ثمَّ يغدو التدخل أقرب إلى حماية الاستقرار المالي المشترك منه إلى مجرد لفتة دبلوماسية.

هل يكفي التدخل لإنقاذ العملة؟
رغم أن التدخل المشترك أوقف موجة الهبوط الحادة وأعاد بعض القوة إلى الين، فإن الأسواق لا تزال تنظر إليه باعتباره إجراءً مؤقتاً أكثر منه تحولاً في مسار العملة. لذلك أكدت كل من طوكيو وواشنطن استعدادهما لتنفيذ تدخلات جديدة إذا استمرت التقلبات، فيما جدّد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دعوته إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة في اليابان.
على الجانب الآخر، ترى مؤسسات بحثية، من بينها Oxford Economics، أن استقرار الين على المدى الطويل لن يتحقق عبر التدخل في سوق الصرف وحده، بل يتطلب استمرار بنك اليابان في تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة تدريجياً، بما يقلص الفجوة مع الولايات المتحدة ويحد من جاذبية تجارة الفائدة التي ضغطت على العملة طوال الأشهر الماضية.
في الوقت ذاته، سيعتمد نجاح التدخل أيضاً على مسار أسعار الطاقة وتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، لأن استمرار ارتفاع كلفة الواردات سيعيد الضغوط سريعاً على الين، حتى مع استمرار الدعم الحكومي والتدخلات الرسمية.