تواصل الإمارات تصدر سوق السندات المستدامة في الشرق الأوسط، مع احتفاظها بموقع متقدم في سوق التمويل الأخضر، وفق تقرير حديث لوكالة "ستاندرد آند بورز" (S&P)، ويشير التقرير إلى أن نمو سوق السندات المستدامة في الشرق الأوسط تدعمه مشاريع الطاقة النظيفة والتمويل المرتبط بالتحول المناخي، فيما تلعب المؤسسات المالية والشركات والجهات الحكومية دوراً متزايداً في إصدار أدوات دين مرتبطة بالاستدامة.

 وتعكس هذه المؤشرات في الإمارات تحول الاقتصاد الأخضر من توجه بيئي إلى منظومة استثمارية متكاملة تقوم على التشريعات والتمويل والمشاريع القابلة للتنفيذ، إذ أسهمت السياسات الحكومية وتوسع أدوات التمويل المستدام في دعم قطاعات مثل الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والبنية التحتية المستدامة.  بحسب محمد سعيد، خبير اقتصاد.

بناء بيئة للاستثمار المستدام

اعتمدت الإمارات أطراً تشريعية وتنظيمية لدعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر، من بينها استراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050، واستراتيجية الإمارات للطاقة 2050، اللتان تستهدفان خفض الانبعاثات وتعزيز دور مصادر الطاقة النظيفة ضمن مزيج الطاقة الوطني.

وفي القطاع المالي، أصدر مصرف الإمارات المركزي إطار إدارة المخاطر المالية المرتبطة بالمناخ، الذي يحدد متطلبات للمؤسسات المالية بشأن تحديد وقياس وإدارة المخاطر المرتبطة بالمناخ ودمج اعتبارات الاستدامة ضمن عملياتها.

ويقول محمد سعيد، إن وجود أطر تنظيمية واضحة يساعد المستثمرين على تقييم الفرص والمخاطر المرتبطة بالقطاعات الجديدة، ويعزز قدرة السوق على جذب استثمارات طويلة الأجل.

تحويل الاستدامة إلى هدف مالي

التحول الأخضر امتد إلى القطاع المالي، حيث يعمل مصرف الإمارات المركزي على تطوير التمويل المستدام وتعزيز إدارة المخاطر المرتبطة بالمناخ داخل القطاع المصرفي.

وخلال يوم التمويل في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين (COP28)، جمع المصرف المركزي المشاركين في القطاع المصرفي الإماراتي بهدف حشد تريليون درهم (272 مليار دولار) لدعم مبادرات التمويل المستدام بحلول 2030، بالتعاون مع البنوك الوطنية.

أدوات تمويل تدعم التحول الأخضر

وبلغت إصدارات السندات المستدامة في الشرق الأوسط خلال النصف الأول من 2026 نحو 7 مليارات دولار، فيما واصلت الإمارات قيادة السوق الإقليمية بدعم من نشاط المؤسسات المالية والشركات والجهات الحكومية في إصدار أدوات دين مرتبطة بالاستدامة.

وفي القطاع المصرفي، أصدر بنك الإمارات دبي الوطني سندات مستدامة ثنائية الشريحة بقيمة مليار دولار، تضمنت شريحة زرقاء بقيمة 300 مليون دولار، وخضراء بقيمة 700 مليون دولار، وخصصت عائداتها لدعم مشاريع مرتبطة بالاقتصاد البحري والعمل المناخي والمبادرات الخضراء.

كما أعلن بنك أبوظبي الأول (FAB) أنه سهّل بين عامي 2022 و2025 تمويل مشاريع مستدامة وتحولية بقيمة 381 مليار درهم عبر 280 صفقة في 41 دولة، محققاً 76% من هدفه البالغ 500 مليار درهم بحلول 2030.

وشملت هذه التمويلات قطاعات الطاقة المتجددة والطاقة النظيفة، وتحويل النفايات إلى طاقة، والمباني الخضراء، وشبكات السكك الحديدية، والمركبات الكهربائية. وأوضح البنك أن هذه الأنشطة أسهمت في دعم ما يقدّر بأكثر من 120500 وظيفة ضمن المشاريع الممولة في دولة الإمارات منذ 2022.

الطاقة النظيفة.. التمويل يتحول إلى مشاريع

ولا تظهر أهمية التمويل المستدام في الأدوات المالية فقط، بل في المشاريع التي يتم تمويلها على أرض الواقع. وفي هذا الإطار، أصدرت  شركة أبوظبي الوطنية للطاقة "طاقة" وشركاؤها سندات خضراء طويلة الأجل بقيمة 3.2 مليار درهم (870.75 مليون دولار) لإعادة تمويل مشروع محطة الظفرة للطاقة الشمسية الكهروضوئية في أبوظبي. ويتوافق استخدام عائدات الإصدار مع مبادئ السندات الخضراء الصادرة عن الرابطة الدولية لأسواق رأس المال (ICMA).

وتعد محطة الظفرة، التي دخلت التشغيل عام 2023، من أكبر محطات الطاقة الشمسية ضمن موقع واحد في العالم، ومن المتوقع أن تسهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 2.4 مليون طن متري سنوياً.

كما يمثل مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي نموذجاً لتحويل الاستثمار في الطاقة النظيفة إلى مشروع اقتصادي واسع النطاق، إذ يعد أكبر مجمع للطاقة الشمسية في موقع واحد عالمياً وفق نظام المنتج المستقل. وتستهدف مراحله المستقبلية الوصول إلى قدرة إنتاجية تبلغ 5 آلاف ميجاواط بحلول عام 2030، باستثمارات إجمالية تصل إلى 50 مليار درهم، فيما يُتوقع أن يسهم عند اكتماله في خفض أكثر من 6.5 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً.

ويشير محمد سعيد إلى أن قيمة هذه المشاريع لا ترتبط فقط بإنتاج الطاقة النظيفة، بل بقدرتها على خلق منظومة اقتصادية تشمل التمويل والتكنولوجيا والخدمات المرتبطة بالطاقة، ما يجعل الاقتصاد الأخضر مجالاً للاستثمار والنمو.