برزت الإمارات خلال السنوات الأخيرة كنموذج تشريعي متقدم في التعامل مع المكالمات التسويقية غير المرغوب فيها، عبر منظومة متكاملة لا تستهدف الحد من الإزعاج اليومي للمستهلكين فحسب، وإنما ترسخ أيضاً بيئة أعمال أكثر انضباطاً وشفافية، وتدعم تنافسية الاقتصاد الوطني، بينما تتجه دول أوروبية كفرنسا إلى تشديد القيود على هذه المكالمات التسويقية.
في عام 2024، أصدرت دولة الإمارات قرار مجلس الوزراء رقم (56) لسنة 2024 بشأن تنظيم التسويق عبر المكالمات الهاتفية، الذي وضع إطاراً تنظيمياً موحداً يسري على جميع الشركات المرخصة في الدولة، بما فيها العاملة في المناطق الحرة، بهدف تنظيم التسويق عبر الهاتف والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وضمان التزام الشركات بالقنوات والأوقات المحددة للتسويق، والحد من المكالمات غير المرغوب فيها، وحماية خصوصية المستهلكين.

موافقات مسبقة وأرقام مسجلة
وألزم القرار الشركات بالحصول على موافقة مسبقة لممارسة نشاط التسويق الهاتفي، واستخدام أرقام هاتفية مسجلة باسم الشركة، والإفصاح عن هوية المتصل واسم الشركة والغرض من الاتصال منذ بداية المكالمة، وإبلاغ المستهلك بأن المكالمة مسجلة، إضافة إلى تدريب موظفي التسويق على قواعد السلوك المهني وآلية استخدام السجل الوطني لعدم الاتصال (DNCR). كما حدد ساعات إجراء المكالمات ما بين التاسعة صباحاً والسادسة مساءً، ومنع إعادة الاتصال بالمستهلك بعد رفضه العرض، أو التواصل مع الأرقام المسجلة في السجل الوطني لعدم الاتصال.
ولضمان التطبيق الفعلي، أتبعت الحكومة ذلك بإصدار قرار مجلس الوزراء رقم (57) لسنة 2024 الذي حدد المخالفات والجزاءات الإدارية بحق الشركات والأفراد المخالفين، بما عزز منظومة الرقابة والامتثال، وتتراوح الغرامات المفروضة على الشركات بين 10 آلاف و150 ألف درهم، بحسب نوع المخالفة وتكرارها، وتشمل مخالفات ممارسة التسويق الهاتفي دون الحصول على الموافقات اللازمة، أو استخدام أرقام غير مسجلة باسم الشركة، أو الاتصال بالمستهلكين خارج الأوقات المحددة، أو التواصل مع الأرقام المسجلة في السجل الوطني لـ"عدم الاتصال" (DNCR)، أو عدم الإفصاح عن هوية المتصل واسم الشركة والغرض من المكالمة.
كما تصل الغرامات على الأشخاص الطبيعيين إلى 50 ألف درهم، مع إمكانية حرمان المخالف من خدمات الاتصالات لمدة تصل إلى 12 شهراً عند تكرارها.
حماية المستهلك.. وتعزيز الاقتصاد
وتنظر الإمارات إلى تنظيم المكالمات التسويقية باعتباره جزءاً من تطوير البيئة الاقتصادية، وليس مجرد إجراء لحماية المستهلك، إذ أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة أن هذه التشريعات تستهدف تطوير بيئة أعمال تتميز بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتمكين الممارسات التجارية السليمة، وحماية حقوق المستهلكين وخصوصيتهم، إلى جانب الحد من المكالمات التسويقية غير المرغوب فيها وضمان التزام الشركات بقنوات وأوقات التسويق.
خفض المخاطر التشغيلية والقانونية
ومن جانبه قال عماد علي، مستشار في دراسات الجدوى والاستثمار: "لا تقتصر قيمة التشريعات المنظمة للمكالمات التسويقية على حماية المستهلك، بل تمتد إلى خفض المخاطر التشغيلية والقانونية التي تضعها الشركات والمستثمرون ضمن تقييمهم لأي سوق، ما يعزز القدرة على التنبؤ ببيئة الأعمال ويزيد جاذبية الاستثمار".
ويرى علي، أن وضوح القواعد المنظمة للعلاقة بين الشركات والعملاء يرفع مستوى الثقة في السوق، ويحد من النزاعات والممارسات العشوائية، ويخفض ما يعرف في الاقتصاد بـ"تكلفة ممارسة الأعمال"، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
كما أكد أن المستثمر برأيه لم يعد يقيم الأسواق استناداً إلى الحوافز الضريبية أو حجم الطلب فقط، بل ينظر أيضاً إلى جودة البيئة التنظيمية، ومدى استقرارها، وقدرتها على مواكبة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية. وأضاف أن الدول التي تعتمد تشريعات استباقية ترسل رسالة واضحة بأنها تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة التحولات قبل أن تتحول إلى تحديات، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية في جذب الاستثمارات.
وأشار إلى أن هذه التشريعات تنعكس أيضاً على جودة الحياة، لأن البيئة القانونية التي تنظم تفاصيل الحياة اليومية وتحمي خصوصية الأفراد وتفرض معايير واضحة على الشركات، تعزز ثقة المقيمين والكفاءات العالمية، وهو ما يدعم مكانة الإمارات كوجهة مفضلة للعيش والعمل إلى جانب كونها وجهة جاذبة للاستثمار.