أرسل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، شحنة نقدية جديدة بقيمة 500 مليون دولار، إلى البنك المركزي العراقي، ليرتفع بذلك إجمالي السيولة النقدية المستلمة مؤخراً إلى مليار دولار عبر شحنتين متتاليتين، بحسب وكالة الأنباء العراقية الرسمية "واع".

وتأتي هذه الشحنات بعد توصل الطرفين إلى اتفاق ينهي تجميداً أمريكياً استمر 4 أشهر لتدفقات النقد إلى بغداد.

خلفيات التجميد الأمريكي

ووفقاً تقارير نشرتها وكالة رويترز وصحيفة واشنطن بوست، جمدت وزارة الخزانة الأمريكية شحنات النقد في أبريل (نيسان) 2026، في خطوة هدفت للضغط على الحكومة العراقية للحد من نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والسيطرة على الهجمات التي استهدفت منشآت أمريكية.

وبموجب اتفاقية تعود إلى 2003، تُودع عائدات النفط العراقي في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك، وفق ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال، وهو ما يمنح واشنطن سيطرة قانونية كاملة على الموافقة على شحنات الأوراق النقدية المتجهة إلى بغداد.

تفاصيل الاتفاق ومكافحة التهريب

واستؤنفت الشحنات بعد امتثال بغداد لشروط الخزانة الأمريكية، إذ تضمنت التعهدات العراقية منع وصول الدولار إلى الميليشيات المسلحة، وتتبع الحوالات المالية، وتجفيف منابع تهريب العملة الصعبة إلى إيران، وفق ما أوردته "وول ستريت جورنال".

ونقلت الصحيفة ذاتها أن هذا الانفراج تزامن مع حملة حكومية لمكافحة الفساد في العراق شملت توقيف عدد من المسؤولين، وهو ما منح الخزانة الأمريكية التطمينات اللازمة للمضي في الاتفاق.

كما مهدت التفاهمات بين الطرفين لإعادة تأهيل 7 مصارف عراقية تدريجياً للتعامل بالدولار، بعد استكمال متطلبات الحوكمة والامتثال الدولي.

آلية رفع القيود عن المصارف السبعة

وشهد منتصف 2026 توقيع اتفاقية تأهيل تُوصف بالتاريخية بين واشنطن وبغداد، غير أن وزارة الخزانة الأمريكية لم تمنح المصارف السبعة تصريحاً فورياً ومطلقاً للتعامل بالدولار. فبدلاً من ذلك، سُمح لهذه المصارف بالعودة إلى قنوات المراسلة المصرفية الدولية باستخدام عملات أجنبية أخرى، مثل اليورو والدرهم الإماراتي واليوان الصيني، بعد اجتيازها المرحلة الأولى من الحوكمة، وتفعيل أنظمة الامتثال، والربط المباشر مع أنظمة الجمارك الدولية كنظام "أسكودا".

وتظل هذه المصارف محظورة من التعامل المباشر بالدولار، ولن تستعيد هذا الحق إلا بعد استكمال مراحل تدقيق إضافية وتطبيق معايير امتثال صارمة تضمن عدم تسريب العملة. ورغم أن وزارة الخزانة الأمريكية والبنك المركزي العراقي فرضا سرية رسمية على القائمة، لحماية المصارف من المضاربات المالية في السوق الموازية، إلا أن أسماء عدد من هذه المصارف تداولتها تقارير محلية، وهي: مصرف التنمية الدولي للاستثمار والتمويل، ومصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار والتمويل، ومصرف المشرق العربي الإسلامي للاستثمار، ومصرف الموصل للتنمية والاستثمار، ومصرف كردستان الدولي الإسلامي للاستثمار والتنمية، ومصرف الاستثمار العراقي، والمصرف العربي الإسلامي.

إلى أين تذهب الدولارات؟

وبحسب وكالات محلية ومسؤولين عراقيين، سيُخصص المبلغ لتغطية المعاملات النقدية للمسافرين، ونفقات العلاج والدراسة بالخارج، والحوالات الخارجية للأفراد. وتهدف الشحنة إلى زيادة المعروض النقدي داخل الأسواق المحلية، وخفض الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية.

تحليلات غربية: تهدئة مؤقتة لا حل جذري

وأجمعت تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث دولية، في مقدمتها تقرير لمؤسسة "ستراتفور" الدولية للدراسات الأمنية والاقتصادية، على أن شحنة الـ500 مليون دولار لن تحل أزمة التضخم والعملة في العراق بشكل جذري.

فبحسب التقرير، سيؤدي تدفق النقد إلى انخفاض مؤقت في سعر صرف الدولار بالسوق الموازية، ليتحرك في مستويات 153 ألف دينار عراقي لكل 100 دولار، مقارنة بالارتفاعات السابقة. غير أن هذا الهبوط يُعد مؤقتاً، إذ إن الشحنة تغطي 15% فقط من احتياجات السوق المحلية من صغار المسافرين والأفراد والمعاملات اليومية، بينما يأتي 85% من الطلب الحقيقي على الدولار من كبار التجار والمستوردين الذين يعتمدون على قنوات الحوالات الخارجية.

ويرى خبراء اقتصاد غربيون أن الفجوة بين السعر الرسمي، البالغ 1320 ديناراً، والسعر الموازي ستظل قائمة، نظراً إلى أن التجارة البينية الواسعة مع دول خاضعة للعقوبات مثل إيران لا يمكن تمويلها عبر النظام المصرفي الرسمي أو المنصة الإلكترونية الخاضعة لمراقبة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ما يُبقي الطلب على السوق السوداء مرتفعاً والمضاربة مستمرة.

كما يواجه العراق تراجعاً حاداً في عوائده النفطية الشهرية، بسبب اضطرابات الشحن البحري عبر مضيق هرمز وإغلاق الأنابيب الشمالية، ما يدفع الحكومة العراقية إلى دراسة خيارات معقدة، من بينها "إصلاح العملة" والتحول الإجباري الشامل نحو "الأتمتة الرقمية"، للتخلص من الاقتصاد القائم على النقد الورقي.

تحذيرات من "المجلس الأطلسي"

من جهته، يرى خبراء في معهد "المجلس الأطلسي" الأمريكي أن استئناف الشحنات النقدية خطوة مشروطة ومؤقتة، تندرج ضمن سياسة "الخطوة مقابل الخطوة" التي تتبعها واشنطن.

ولا يزال تعليق واشنطن لتمويل بعض برامج التدريب والمساعدات الأمنية للجيش العراقي سارياً، بانتظار التأكد التام من استقرار الوضع الأمني وتفكيك شبكات تهريب العملة، بحسب ما ورد في تحليل المعهد.