في خطوة تعكس تسارع حدة التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين واشنطن وبكين، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تخصيص حزمة تمويلية ضخمة تتجاوز ملياري دولار لدعم مشروع المعادن الحيوية، بهدف تأمين العناصر الأساسية اللازمة لصناعة المنتجات التكنولوجية المتقدمة والأسلحة الدفاعية عالية التقنية.

و​تأتي التحركات ضمن استراتيجية شاملة جعلت من استخراج وتكرير المعادن الحيوية أولوية قصوى للأمن القومي الأمريكي منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، إذ جرى ضخ عشرات المليارات من الدولارات لصالح 150 شركة للتعدين والتصنيع، سعياً لكسر الحظر الصيني الشديد على سلاسل توريد قطاعات استراتيجية كالأسلحة والسيارات والهواتف.

و​تتوزع الحزمة التمويلية الجديدة على محاور رئيسية عدة تتصدرها القروض الصناعية، إذ استحوذت شركة "سيلا نانوتكنولوجيز" على الجزء الأكبر عبر قرض بقيمة 1.4 مليار دولار من وزارة الحرب لبناء مصنع جديد لبطاريات الليثيوم. 

كما يتضمن الدعم المالي أيضاً تقديم 400 مليون دولار لشركة "صنرايز إنيرجي ميتالز" لمساعدتها في إنشاء منجم للسكانديوم في أستراليا، إلى جانب 150 مليون دولار لشركة "نيرون ماغنيت" بهدف تعزيز إنتاج مغناطيسات فائقة القوة لا تعتمد على العناصر الأرضية النادرة.

ولم تقتصر الرؤية الأمريكية على البنية التحتية والمناجم فحسب، بل امتدت لتشمل إعداد الكوادر البشرية؛ إذ أعلن ترامب عن توجيه 180 مليون دولار لدعم المدارس والمعاهد المتخصصة في تدريب عمال المناجم والمهندسين. 

وفي هذا الصدد، يقول رئيس كلية كولورادو للمناجم بول جونسون، إن "العقود الأخيرة شهدت تراجعاً حاداً في الخبرات الوطنية المتخصصة، ولا سيما في مجالات معالجة وتكرير المعادن، مما يتطلب إعادة بناء القاعدة المعرفية والمهنية للقطاع".

سباق الـ5 أشهر

​ورغم التدفقات المالية الضخمة، يصطدم المسعى الأمريكي بجدول زمني ضاغط يضع قطاع الدفاع والشركات المصنعة أمام مهلة قصيرة لا تتجاوز 5 أشهر قبل دخول الحظر الاتحادي الشامل حيز التنفيذ في الأول من يناير(كانون الثاني) المقبل. 

ويمنع هذا الحظر شراء المعادن النادرة والمغناطيسات والتنغستن والموليبدينوم والتنتالوم من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية.

​وعلى العكس من السياسات السابقة التي اعتمدت على منح الشركات إعفاءات متكررة نتيجة نقص الإمدادات المحلية، اتخذ ترامب موقفاً صارماً برفض الاستثناءات، مؤكداً في منشور له في مايو (أيار) الماضي على ضرورة التزام الوكالات الاتحادية كافة بشراء المنتجات الأمريكية دون أعذار، وموقعاً أمراً تنفيذياً يفرض قيوداً مشددة وجداول زمنية صارمة للتخلي عن المواد الصينية قبل منح أي إعفاء طارئ، وفق وكالة "رويترز".

فجوة إنتاجية حادة

و​تظهر البيانات الصادرة عن شركة "آرثر دي ليتل" حجم التحديات التي تجعل الشركات الأمريكية غير مستعدة حتى الآن لتلبية التواريخ المحددة. 

وبلغ الطلب المحلي على مغناطيسات المعادن النادرة الأكثر استخداماً نحو 48 ألف طن في عام 2025، في حين لم تزد القدرة الإنتاجية للمصادر المحلية عن 300 طن فقط، وهو ما يغطي 0.6% تقريباً من الاحتياجات الفعلية. 

وحتى مع خطط التوسع المعلنة، من المتوقع ألا تتجاوز القدرة الإنتاجية 5 آلاف طن بنهاية عام 2026، أي ما يعادل 10% فقط من حجم طلب العام الماضي.

​وفي قراءة للمشهد، يشير محلل المعادن كريس بيري إلى أن فرص إنتاج كميات كافية للاستغناء عن الإعفاءات بحلول يناير (كانون الثاني) تظل ضعيفة جداً، مؤكداً أن بناء بنية تحتية قادرة على منافسة التكرير الصيني سيتطلب سنوات عديدة. 

ورغم توفر الاحتياطيات الخام داخل الأراضي الأمريكية، فإن المعضلة الأساسية تكمن في ضعف القدرة الاستخراجية والتحويلية، حيث تسيطر الصين على أكثر من 80% من قطاع تكرير المعادن عالمياً. 

​وأمام هذه الفجوة الإمدادية، أطلقت الإدارة الأمريكية في فبراير (شباط) الماضي مشروع فولت بقيمة 12 مليار دولار لبناء مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية، غير أن مسؤولين أقروا بأن عملية التخزين الأولية ستعتمد على الشراء من مختلف الأسواق العالمية، بما فيها الصين.