لم تعد موجات الحر الشديدة مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحولت إلى أحد أخطر التهديدات الصحية المرتبطة بتغير المناخ، وفق تحذيرات منظمة الصحة العالمية، ففي أوروبا ارتفعت الوفيات المرتبطة بالحرارة بنحو 36% خلال العقدين الماضيين، لتسجل أكثر من 60 ألف وفاة في 2022، ونحو 47.5 ألف في 2023، و63 ألفاً في 2024، فيما تجاوز 25 ألف حالة وفاة في أنحاء أوروبا خلال 2026، وفق أحدث البيانات المتاحة التي جمعتها بلومبرغ.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أوروبا تشهد أسرع وتيرة لارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم، بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، وخلال الأسابيع الأخيرة الماضية تضررت فرنسا وإسبانيا بشكل خاص من موجة الحر، فيما سجلت ألمانيا نحو 11.900 حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة خلال 2026، وفق تقديرات معهد "روبرت كوخ".

وشهدت أوروبا الغربية 4 موجات حر هذا الصيف، حطمت خلالها درجات الحرارة أرقاماً قياسية وأثرت سلباً على النشاط الاقتصادي. ومن المتوقع أن تشتد موجة الحر مجدداً الأسبوع الجاري، مع توقعات بوصول درجات الحرارة في لندن إلى 34 درجة مئوية بحلول الأربعاء، وفي باريس إلى 38 درجة.

يمكن لارتفاع درجات الحرارة نهاراً وليلاً، إلى جانب الرطوبة، أن يؤثر بشدة على صحة الفئات الأكثر عرضة للخطر. وقد يؤدي التعرض للحرارة إلى الدوخة والغثيان والتشنجات، التي قد تتطور إلى ضربة شمس وحتى الوفاة.

وفي هذا الصدد، حذر الرئيس التنفيذي لشركة تأمين سويسرية "سويس ري" أندرياس بيرغر، من تنامي مخاطر الوفيات المرتبطة بموجات الحر، داعياً إلى تعزيز الوعي بتداعيات ارتفاع درجات الحرارة على صحة الإنسان وحياته، والتعامل معها باعتبارها خطراً صحياً متزايداً.

وتزداد المخاطر بالنسبة للعاملين في الأماكن المفتوحة، والذين يؤدون أعمالًا بدنية والرياضيين وموظفي الحماية المدنية.

وتشير دراسات إلى أن النساء أكثر عرضة للإجهاد الحراري من الرجال، إذ يقضين وقتاً أطول بنسبة 30 إلى 50% في درجات الحرارة المرتفعة أثناء العمل، مع حصولهن على فترات راحة أقل مقارنة بالرجال، كما تستمر معاناتهن من الحرارة بعد العمل، بسبب أعباء الطهي والتنظيف ورعاية الأطفال.

كيف تؤثر الحرارة في الصحة؟

تُرهق درجات الحرارة المرتفعة قدرة الجسم على تبريد نفسه، ما يزيد خطر الإجهاد الحراري والإصابة بضربات الشمس والضغط على القلب والكلى، كما قد يؤدي إلى تفاقم أمراض مزمنة مثل القلب والسكري والجهاز التنفسي. وقد تتسبب موجات الحر في الوفاة ودخول المستشفيات، لا سيما كبار السن والحوامل والعاملون في الهواء الطلق والمصابون بأمراض مزمنة.

كما تؤدي الحرارة الشديدة إلى تعطيل الخدمات الأساسية، وتراجع الإنتاجية وزيادة الحوادث، كما تعرقل العمل والدراسة وقد تتسبب في إغلاق المؤسسات، بالتزامن مع ارتفاع مخاطر تلوث الهواء، لذلك يتوقف تأثير الحرارة على الصحة على شدة موجة الحر ومدتها وتوقيتها، إلى جانب قدرة السكان والبنية التحتية والمؤسسات على التكيف معها.

الحر والجفاف يخنقان شرايين أوروبا المائية

وأدت موجات الحر المتواصلة وندرة الأمطار إلى هبوط منسوب المياه في بعض أهم أنهار أوروبا، إلى مستويات غير مسبوقة في بعض المناطق، في أزمة باتت تداعياتها واضحة حتى من الفضاء،  مما أعاق حركة الشحن، ودفع عدة ولايات ألمانية إلى التعليق المؤقت لبعض القيود المفروضة على حركة الشاحنات خلال مطلع الأسبوع.

وهبط منسوب نهر الدانوب، ثاني أطول أنهار أوروبا، والذي يمر عبر 10 دول في رحلته من ألمانيا إلى البحر الأسود، إلى مستويات قياسية في المجر.

وتسبب انحسار الدانوب في أزمة طاقة بالمجر، إذ تراجعت قدرة محطة "باكس" النووية، التي توفر نحو نصف كهرباء البلاد، إلى 10% فقط، بعد توقف جميع مفاعلاتها باستثناء واحد، بسبب انخفاض منسوب المياه، وسط مخاوف من إغلاقها بالكامل.
 أما نهر الراين، الذي ينبع من جبال الألب السويسرية ويتدفق شمالًا ليصب في بحر الشمال، فقد وصل أيضًا إلى مستويات حرجة. ويُعد النهر ممراً رئيسياً لنقل كل شيء، من المواد الغذائية والمعادن إلى الفحم والنفط.

ولا تقتصر الأزمة على الدانوب والراين، إذ تعاني أنهار أوروبية أخرى، من بينها نهر بو في إيطاليا ونهر اللوار في فرنسا، من مستويات مياه منخفضة بشكل استثنائي في بعض المناطق.

النمسا تتحرك لحماية مياه الشرب

وفي النمسا تفرض موجات الحر تحدياً استراتيجياً على قطاع المياه، إذ تواجه ضغوطاً متزايدة على موارد المياه بفعل موجات الحر ونقص الأمطار وانخفاض مستويات المياه الجوفية، ما دفع فيينا إلى استبعاد بعض البلديات من خط مياه الينابيع الجبلية لضمان استقرار الإمدادات. وبينما أكدت وزارة البيئة أن مياه الشرب آمنة إلى حد كبير، حذرت من احتمال حدوث نقص محلي، خصوصاً في شرق البلاد، إذا استمر الجفاف وارتفاع الحرارة، مع استهلاك سنوي يبلغ نحو 3.1 مليار متر مكعب من المياه.