تواجه بريطانيا حاجة متزايدة إلى إعادة النظر في الطريقة التي تحدد بها الصناعات التي تعتبرها في طليعة الابتكار والنمو، خصوصاً في قطاع التصنيع المتقدم، في ظل انتقادات ترى أن التركيز المفرط على التكنولوجيا المتطورة وحدها قد يحجب شركات بريطانية حققت نجاحاً عالمياً من خلال الجمع بين الهندسة المتميزة وأساليب الإدارة المبتكرة وفهم احتياجات العملاء.
تطرح صحيفة "فايننشال تايمز" في تحليل حديث فكرة توسيع مفهوم «التصنيع المتقدم» ليشمل نماذج أعمال وأساليب إنتاج وخدمات أكثر تنوعاً، بدلاً من حصره في الصناعات التي ترتبط بصورة مباشرة بالتقنيات الحديثة مثل الطيران والسيارات والبطاريات والفضاء والمواد المتقدمة والتكنولوجيا الزراعية.
وترى الصحيفة أن الابتكار لا يرتبط دائماً باستخدام أحدث تقنية متاحة، وإنما قد ينتج أيضاً عن الطريقة التي توظف بها الشركات التقنيات الموجودة، أو تمزج بين المعرفة الهندسية والخدمات وإدارة الأعمال للوصول إلى ميزة تنافسية يصعب تقليدها.
عقدة الإنتاجية المزمنة
تكمن المفارقة الكبرى في أن المملكة المتحدة، التي تتفاخر بتاريخ حافل من التميز الأكاديمي وحصد جوائز نوبل في جامعات عريقة مثل أكسفورد وكامبريدج، تعجز عن تحويل هذا التفوق العلمي إلى أرقام نمو اقتصادي. لقد أوجد التركيز على "الأبحاث على مستوى نوبل" انفصاماً حاداً، فبينما تتجه الميزانيات الحكومية والدعاية السياسية دائماً نحو المبتكرات الأكثر بريقاً وتعقيداً، تعاني أزمة الإنتاجية المزمنة منذ عام 2008 وتواجه آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة في تبني أدوات تكنولوجية أساسية، لينتهي الأمر باقتصاد يمتلك جزر أبحاث فائقة التطور ترفع كؤوس نوبل، وتدعمها قطاعات واسعة تعاني من ضعف الكفاءة والركود.
معضلة وادي الموت
كما تعاني العملية الانتقالية بين الابتكار الأكاديمي والتسويق التجاري ما يُعرف بـ"وادي الموت"، إذ تبرع بريطانيا في تأسيس الشركات الناشئة، لكنها تفشل غالباً في تحويلها إلى شركات عملاقة ذات نطاق عالمي، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى شح رأس المال المغامر طويل الأجل مقارنة بالولايات المتحدة، مما يضطر الشركات للبيع المبكر، فضلاً عن تردد المشتريات الحكومية في دعم التقنيات المحلية وتمركز الاستثمارات في لندن والجنوب الشرقي على حساب الأقاليم الصناعية.
ثورة التبني العملي
وأشار التقرير إلى أن إعادة تعريف "التقنيات المتقدمة" تتطلب الإدراك بأن التكنولوجيا لا تكون متقدمة بمدى تعقيدها العلمي فقط، بل بمدى أثرها في خلق قيمة اقتصادية وتغيير آليات العمل، وهو ما يستدعي التركيز على دعم انتشار الأدوات التقنية وأتمتة العمليات في مختلف المناطق، وتحديث القطاعات التقليدية كالبناء والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، إضافة إلى توجيه الإنفاق الحكومي لشراء وتبني التقنيات المحلية القابلة للتطبيق السريع.
رؤية تكنولوجية
وأكدت الصحيفة أن المرحلة المقبلة تقتضي من صانع القرار البريطاني الجرأة في صياغة رؤية تكنولوجية توازن بين البحث العلمي الاكتشافي ونشر التكنولوجيا وتطبيقها العملي، إذ إن القوة الاقتصادية الحقيقية لبريطانيا لن تتحدد بعدد براءات الاختراع المكتوبة داخل المختبرات، بل بمدى قدرة المصانع والمستشفيات والشركات المحلية في مختلف المقاطعات على استغلال هذه الأدوات التقنية لرفع الإنتاجية ومستوى المعيشة.