يعيش العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة "أوبك"، أزمة اقتصادية خانقة منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة في أواخر فبراير (شباط) الماضي، والتي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الممر البحري الذي كان يمر عبره قرابة 90% من صادرات النفط العراقية.

وتسبب هذا الإغلاق في انهيار حاد للإيرادات النفطية، التي تمول وحدها ما بين 90% إلى 95% من الموازنة العامة للدولة، ما انعكس مباشرة على قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين.

انهيار الصادرات والإنتاج

وبحسب أرقام وزارة النفط العراقية، تراجعت صادرات العراق النفطية من قرابة 100 مليون برميل في فبراير (شباط) إلى قرابة 32.1 مليون برميل فقط خلال مايو (أيار) ويونيو (حزيران). أما وزير النفط العراقي، باسم محمد خضير، فأكد أن الصادرات انخفضت بنسبة تقترب من 75%، لتتراوح المستويات الحالية بين 1.5 و1.75 مليون برميل يومياً، مقارنة بمعدل طبيعي كان يبلغ 3.4 ملايين برميل يومياً قبل الأزمة.

العراق.. هل تنزع "دفعة" الفيدرالي الأمريكي فتيل أزمة الرواتب؟ - موقع 24أرسل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دفعة جديدة من الدولار النقدي، بقيمة 500 مليون دولار إلى البنك المركزي العراقي، ليرتفع إجمالي الشحنات المستلمة مؤخراً إلى مليار دولار، وسط تساؤلات بشأن قدرة هذه الدفعة على إنهاء أزمة الرواتب.

وعلى صعيد الإنتاج، تشير أحدث الأرقام إلى أن العراق ينتج حالياً قرابة 2.7 إلى 2.75 مليون برميل يومياً من النفط الخام، في وقت تبلغ فيه طاقته الإنتاجية القصوى المستهدفة ضمن اتفاق "أوبك+" قرابة 4.3 ملايين برميل يومياً.

وبحسب "ذا ناشونال"، هوى الإنتاج العراقي بـ66%، وهو أحد الانخفاضات الأكثر حدة بين دول "أوبك+"، إذ تراجع من 4.3 ملايين برميل يومياً إلى 1.4 مليون برميل فقط في مايو (أيار)، فيما انخفضت التدفقات عبر خط أنابيب جيهان التركي من 3.5 ملايين برميل يومياً قبل الحرب إلى قرابة 200 ألف برميل فقط.

أزمة رواتب

أدى هذا الانهيار في الصادرات إلى تراجع الإيرادات النفطية، التي تمثل ما لا يقل عن 90% من الموازنة العامة، من 6.8 مليارات دولار في فبراير (شباط) إلى قرابة 2.3 مليار دولار فقط خلال مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، بحسب ما ذكرته "ذا ناشونال".

في المقابل، تنفق الحكومة العراقية قرابة 6.5 مليارات دولار شهرياً على الرواتب والمعاشات التقاعدية والرعاية الاجتماعية، وفق بيانات وزارة المالية، إلى جانب التزامات مالية أخرى تشمل رسوم شركات الطاقة، وشراء الغاز والكهرباء من إيران، وديوناً مستحقة لحملة السندات والمقاولين والمزارعين.

ونتيجة لذلك، لم تسدد الحكومة رواتب يوليو (تموز) لكثير من الموظفين العموميين حتى مطلع أغسطس (آب)، وطلب وزير المالية العراقي، فالح سري، رسمياً المثول أمام البرلمان لمناقشة "الوضع المالي والاقتصادي الحالي في البلاد والتحديات الكبرى التي تواجه المالية العامة وسط التغيرات الإقليمية المستمرة".

وقال مسؤول في وزارة المالية لـ"ذا ناشونال" إنه في حال استمر تعطل الصادرات، فلن تكون الحكومة قادرة على دفع الرواتب في مواعيدها، مشيراً إلى أن من بين الإجراءات المطروحة دفع الرواتب كل 45 يوماً بدلاً من شهرياً.

كما تعرضت احتياطيات البنك المركزي العراقي من العملات الأجنبية لضغط ملحوظ، إذ تراجعت بـ6.3% منذ نهاية العام الماضي، لتصل إلى 91 مليار دولار بحلول نهاية مايو (أيار).

اتفاق تركيا

وفي خطوة للتخفيف من الأزمة، وقّع العراق وتركيا في أواخر يوليو (تموز) الماضي تمديداً لاتفاقية تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي لعام إضافي، بعد انتهاء الاتفاقية السابقة، بطاقة تصديرية تبلغ 750 ألف برميل يومياً.

وبموجب الاتفاق، يدفع العراق رسم عبور قدره 1.62 دولار للبرميل، تغطي تشغيل وصيانة الأنبوب من قِبل شركة "بوتاس" التركية الحكومية، بحسب ما أفاد به مدير عام شركة تسويق النفط الوطنية (سومو)، علي الشطري.

ووصف الشطري ما تحقق بـ"قصة نجاح"، لكنه أقر بأنه "لا يرقى إلى الطموحات"، مضيفاً أن الحكومة تسعى لتطوير رؤية استراتيجية لقطاع النفط العراقي وتعزيز الصادرات عبر تركيا.

وبحسب "ذا ناشونال"، يضخ العراق حالياً ما بين 40 إلى 60 ألف برميل يومياً فقط إلى جيهان، بعد أن كانت الكمية تبلغ قرابة 240 ألف برميل قبل اندلاع الحرب، في وقت أغلقت فيه كثير من حقول إقليم كردستان عملياتها بسبب هشاشة الوضع الأمني.

مشاريع أنابيب جديدة

وإلى جانب مسار تركيا، بدأ العراق في مايو (أيار) العمل على إنشاء خط أنابيب جديد يربط البصرة بحديثة، بطاقة تصميمية 2.5 مليون برميل يومياً، ضمن سعيه لتنويع مسارات تصدير الخام. ورُصد للمشروع، الذي يمتد لمسافة 700 كيلومتر، تمويل أولي يبلغ قرابة 1.5 مليار دولار، على أن يتوقف موعد إنجازه على توفر مخصصات إضافية من الموازنة.

ويهدف الخط الجديد لنقل النفط عبر مسارات متعددة، من بينها ميناء بانياس في سوريا، وجيهان في تركيا، وميناء العقبة في الأردن، إلى جانب تزويد المصافي في المحافظات الجنوبية والوسطى والشمالية بالعراق. كما وافق مجلس الوزراء العراقي الشهر الماضي على إحياء خطط بناء خط أنابيب عبر سوريا نحو البحر المتوسط، ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مسارات التصدير ورفع الإنتاج.

هل يغادر العراق "أوبك"؟

وفي 26 يونيو (حزيران) الماضي، ذكرت وزارة النفط العراقية، بحسب ما نقلته وكالة رويترز، أن منظمة "أوبك" بدأت باستعادة تدريجية لمخصصات الإنتاج العراقية التي كانت مقررة قبل الحرب، في خطوة وصفتها الوزارة بأنها ستعزز الطاقة الإنتاجية للعراق وتدعم تعافي قطاعه النفطي. وأعلنت الوزارة دعمها لإعادة تقييم حصص الإنتاج داخل المنظمة، بما يعكس بصورة أفضل ظروف الدول الأعضاء، بما فيها الظروف الاقتصادية والأمنية للعراق.

وجاء ذلك بعد تقارير نقلتها رويترز عن مصادر مطلعة، أفادت بأن بغداد بحثت خيار الانسحاب من "أوبك" في حال لم تسمح المنظمة برفع إنتاجها بصورة ملموسة، ما كان سيمثل عبئاً إضافياً للمنظمة بعد انسحاب الإمارات منها قبل أقل من شهرين. غير أن وزارة النفط نفت لاحقاً أن يكون هذا الخيار يعكس الموقف الرسمي للحكومة العراقية، مؤكدة أن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي لم يناقش إمكانية خروج العراق من المنظمة.

وتبلغ حصة العراق الإنتاجية المقررة لشهر يوليو (تموز) 4.378 ملايين برميل يومياً، رغم أن إنتاجه الفعلي الحالي أقل من ذلك بكثير بسبب اضطرابات مضيق هرمز.

"خصومات" لجذب المشترين

ولمواجهة تراجع إقبال ناقلات النفط على موانئ البصرة، بسبب ارتفاع كلف التأمين والشحن والمخاطر العسكرية، لجأت شركة "سومو" إلى تقديم خصومات سعرية استثنائية لشحنات أغسطس (آب)، شملت خصماً يتراوح بين 25 و27 دولاراً للبرميل لخام البصرة المتوسط، وبين 27.80 و29.80 دولاراً للبرميل لخام البصرة الثقيل، وفق وثائق نقلتها رويترز، في محاولة لإغراء المصافي الآسيوية، خصوصاً في الصين والهند، بتحمل مخاطر إرسال ناقلاتها إلى الخليج.

وأوضح المتحدث باسم وزارة النفط، سليم فرهود حسين، أن هذه الخصومات لا تخضع لسعر ثابت، وإنما لآلية مزايدات تنافسية بين الشركات الراغبة في الشراء وفق النشرات العالمية، فيما تلتزم الوزارة ببيع الخام بصيغة "مطروح ميناء" (FOB)، بحيث تنتقل مسؤولية الشحن والمخاطر الأمنية بالكامل إلى المشتري فور مغادرة الناقلة الموانئ العراقية.

 

العراق يضع ملف نزع سلاح الميليشيات تحت الضوء - موقع 24أعلن العراق اختراق وتفكيك خلية ميليشياوية مسلحة بمسيرات كانت تخطط لضرب "أهداف معينة".