رغم مساعي بكين لتحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا، لا تزال نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في الصين تتدرب على رقائق "إنفيديا" الأمريكية، في ظل الكلفة الباهظة التي يفرضها الانتقال إلى أشباه الموصلات المحلية، بما يمثل عقبة أمام جهودها لتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.

نقلت صحيفة "ساوث تشاينا" عن مصادر في شركات صينية كبرى تطور نماذج اللغة الكبيرة (LLM)، أن التحول إلى الرقائق المحلية لم يصبح خياراً سهلاً بعد، جراء  الكلفة الهندسية والبرمجية الباهظة لإعادة بناء أنظمة التدريب بما يتوافق مع المعالجات الصينية.

وقال شخص مطلع على صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية إن تدريب نماذج التعلم الآلي على رقائق إنفيديا "لا تزال القاعدة السائدة بين مطوري الذكاء الاصطناعي الصينيين في الوقت الحالي".

المشكلة ليست في الرقائق وحدها

ورغم التطور المتسارع الذي حققته الشركات الصينية في تصنيع معالجات الذكاء الاصطناعي، فإن العقبة الأكبر تكمن في "البرمجيات" التي تعمل فوق هذه الرقائق".

في هذا السياق، أصبحت منصة "CUDA" أو "بنية الحوسبة الموحدة للأجهزة"، التي طورتها إنفيديا، على مدى سنوات معياراً أساسياً في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتدريب النماذج، وبفضل هذا الانتشار، تستطيع فرق التطوير الاستفادة من مكتبات وأدوات برمجية واسعة جرى تحسينها للعمل مع معالجات إنفيديا.

أما الانتقال إلى البدائل الصينية، وفي مقدمتها منصة "CANN" التابعة لشركة هواوي، فيعني في كثير من الحالات إعادة كتابة أجزاء كبيرة من البرمجيات وإعادة تحسينها لتعمل بكفاءة على البنية الجديدة.

من جانبه، يقول جيمس وانغ، مهندس تطوير نماذج للذكاء الاصطناعي في معهد بحثي تابع لإحدى جامعات شنغهاي: "تعتمد مسارات التدريب الحالية لدينا على CUDA، ولا يمكن تشغيل كود CUDA مباشرةً على Ascend ويتطلب إعادة كتابة واسعة النطاق".

ويقدر وانغ أن نقل سير العمل الحالي إلى رقائق "Ascend" التابعة لهواوي قد يضيف ما لا يقل عن 50% إلى الوقت والتكاليف التي يحتاجها فريقه.

تكلفة باهظة للانتقال من إنفيديا إلى هواوي 

وتختلف كلفة الانتقال من منظومة إنفيديا إلى الرقائق الصينية بحسب طبيعة النموذج ومدى انفتاحه ونضج الأدوات البرمجية المحيطة به.

يوضح مهندس مقيم في بكين، مشارك في نقل أحمال عمل نماذج اللغة الكبيرة إلى رقائق "Ascend"، أن النماذج مفتوحة المصدر مثل "ديب سيك"، وإصداراتها المخففة يمكن نقلها إلى البنية الصينية خلال فترة تتطلب عادة شهرين إلى ثلاثة أشهر إضافية من العمل الهندسي، مقارنة بالأنظمة المعتمدة على إنفيديا.

وأوضح المهندس أن تدريب نموذج مثل "Kimi K3" التابع لشركة "Moonshot AI"، الذي لم تنشر الشركة سوى أوزانه ــ وهي المعايير الأساسية التي تحدد سلوك النموذج وقدراته ــ قد يتطلب فريقاً يضم نحو 10 مهندسين لأكثر من ستة أشهر من العمل الإضافي حتى يصبح ملائماً للعمل على البنية الصينية.

تجارب محلية طموحة 

ويكشف الاعتماد السابق عن فرق مهم بين مرحلتي تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي "التدريب والاستدلال"، فالتدريب هو المرحلة الأكثر تعقيداً واستهلاكاً للموارد، إذ يتطلب كميات هائلة من القدرة الحاسوبية والذاكرة والاتصالات بين آلاف المعالجات. أما الاستدلال، أي تشغيل النموذج بعد تدريبه لإنتاج الإجابات والنتائج، فهو أقل تعقيداً بكثير من الناحية الهندسية.

ولهذا تمكنت نماذج صينية مثل "DeepSeek-V4" و"Kimi K3" من التكيف بنجاح مع منصات حوسبة محلية، بينها رقائق هواوي وحلول مجموعة علي بابا.

مع ذلك، لا يعني استمرار الاعتماد على إنفيديا أن الصين لم تحقق تقدماً في بناء بدائل محلية، فبعض فرق الذكاء الاصطناعي الصينية بدأت بالفعل في استخدام الرقائق المحلية لتدريب نماذج كبيرة، في خطوة تعكس محاولة كسر الاعتماد على المنظومة الأمريكية.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، كشفت شركة ميتوان عن "LongCat-2.0"، وهو نموذج ضخم يضم 1.6 تريليون معلمة، وقالت الشركة إنه دُرّب بالكامل وشُغّل على بنية حوسبة محلية تتكون من 50 ألف بطاقة، من دون الكشف عن الشركة المصنعة لهذه البطاقات، لكن هذه التجارب لا تزال استثناءً أكثر منها قاعدة.