تتوسع الاستثمارات في تقنيات مراقبة الصحة والعمر مع النمو السريع لسوق الأجهزة الطبية القابلة للارتداء، التي يُتوقع أن تصل قيمتها عالمياً إلى 168.29 مليار دولار بحلول 2030، وفق شركة أبحاث السوق غراند فيو ريسيرش (Grand view research).

وفي موازاة هذا النمو، تتجه الساعات والأجهزة الذكية إلى استخدام بيانات النبض والنوم والنشاط لتقدير ما يُعرف بـ"العمر البيولوجي"، ما يثير تساؤلات حول دقة هذه التقديرات، ومدى إمكانية الوثوق بها.
قدرت غراند فيو ريسيرش قيمة سوق الأجهزة الطبية القابلة للارتداء عالمياً بنحو 42.74 مليار دولار في 2024، وتتوقع وصولها إلى 168.29 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 25.53% خلال الفترة من 2025 إلى 2030.

وتعزو الشركة هذا النمو إلى زيادة الطلب على تقنيات المراقبة الصحية المستمرة وانتشار الأجهزة القابلة للارتداء.

ولا يمثل هذا الرقم حجم سوق قياس "العمر البيولوجي" وحده، بل السوق الأوسع للأجهزة الطبية القابلة للارتداء التي تنمو ضمنها تقنيات جمع البيانات الصحية وتحليلها.

هل يمكن قياس الشيخوخة من المعصم؟

يحاول الباحثون معرفة مدى إمكانية استخدام البيانات التي تجمعها الأجهزة القابلة للارتداء لتقدير التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر.

وفي دراسة بعنوان "ساعة شيخوخة قائمة على الأجهزة القابلة للارتداء ترتبط بالأمراض والسلوك" عام 2025، طوّر الباحثون نموذجاً يسمى PpgAge يعتمد على إشارات تدفق الدم الضوئية PPG التي يمكن تسجيلها من المعصم.

واستخدمت الدراسة بيانات 213,593 مشاركاً وأكثر من 149 مليوناً يوم من البيانات.

وأظهرت النتائج أن الفارق بين العمر الذي يقدره النموذج والعمر الزمني يرتبط بمجموعة من السلوكيات والحالات الصحية، من بينها أمراض القلب وفشل القلب والسكري.

لكن ذلك لا يعني أن الجهاز يقيس عمر الجسم مباشرة، بحسب الدراسة، وإنما تستخدم الخوارزمية أنماطاً في البيانات مرتبطة بالعمر والحالة الصحية لإنتاج تقدير للعمر.

ليست كل قياسات الساعة بالدقة نفسها

وتناولت مراجعة علمية واسعة بعنوان "مواكبة الأجهزة القابلة للارتداء: مراجعة شاملة للمراجعات المنهجية التي تقيّم دقة تقنيات المستهلك القابلة للارتداء في القياسات الصحية"، مدى دقة القياسات التي تقدمها الأجهزة الاستهلاكية القابلة للارتداء.

وأظهرت المراجعة أن مستوى الدقة يختلف باختلاف المؤشر الصحي، إذ كان أداء الأجهزة أفضل نسبياً في قياس معدل ضربات القلب، فيما ظهرت تفاوتات أكبر في قياسات أخرى مثل النشاط البدني واستهلاك الطاقة والنوم.

وتكتسب هذه الفروق أهمية عند استخدام مجموعة من هذه البيانات لإنتاج تقدير للعمر البيولوجي، لأن دقة النتيجة النهائية تتأثر بدقة البيانات التي تعتمد عليها الخوارزمية.

دقة النبض لا تعني دقة "عمر الجسم"

وبحثت دراسة بعنوان "دقة ساعة آبل في مراقبة المؤشرات الصحية: مراجعة منهجية وتحليل تلوي"، والمنشورة عام 2025، أداء الساعة في قياس عدد من المؤشرات الصحية. وأظهرت المراجعة أن الدقة تختلف بحسب نوع المؤشر وظروف القياس.

وهنا ظهر أحد التحديات الأساسية في تقدير العمر البيولوجي: فنجاح جهاز في قياس معدل ضربات القلب أو بعض بيانات الحركة بدرجة جيدة من الدقة لا يعني تلقائياً أن الخوارزمية تستطيع تحديد "عمر الجسم" بالدقة نفسها.

فالعمر البيولوجي ليس مؤشراً واحداً يلتقطه مستشعر، بحسب الدراسة وإنما تقدير يحاول التعبير عن عملية معقدة من التغيرات التي تحدث في الجسم مع مرور الوقت.

طبيبة: العمر البيولوجي ليس رقماً يُقاس مباشرة

 الساعات والأجهزة الذكية تطورت بصورة كبيرة في قدرتها على متابعة بعض المؤشرات الفسيولوجية، لكن ذلك يختلف طبياً عن القدرة على تحديد العمر البيولوجي للإنسان، بحسب الدكتورة سماح عادل، طبيبة عامة.

وتقول: "العمر البيولوجي ليس مؤشراً واحداً يمكن قياسه مباشرة مثل درجة الحرارة أو ضغط الدم، وإنما مفهوم يحاول التعبير عن مجموعة معقدة من التغيرات التي تحدث في الجسم مع مرور الوقت. عندما يقدم جهاز ذكي تقديراً للعمر البيولوجي، فإنه لا يقيس هذا العمر بصورة مباشرة، بل يستخدم خوارزمية لتحليل البيانات المتاحة لديه ومقارنتها بأنماط موجودة في البيانات التي تم تطوير النموذج على أساسها".

دقة المستشعرات في تسجيل المؤشرات الأساسية

وتضيف أن موثوقية النتيجة تعتمد على مستويين، الأول دقة المستشعرات في تسجيل المؤشرات الأساسية، والثاني جودة الخوارزمية ومدى اختبارها على مجموعات سكانية مختلفة.

وتوضح أن الحركة وطريقة ارتداء الجهاز وجودة النوم والنشاط البدني والحالة الصحية وبعض الأدوية يمكن أن تؤثر في عدد من المؤشرات التي تعتمد عليها هذه التقنيات.

وتقول عادل: "القيمة الأكبر للأجهزة القابلة للارتداء طبياً قد تكون في متابعة التغيرات مع مرور الوقت. فإذا لاحظ الشخص تغيراً مستمراً في بعض مؤشراته، فقد تكون هذه معلومة مفيدة تستحق الانتباه، لكن الرقم الذي يخبره بأن عمره البيولوجي أصغر أو أكبر بعدة سنوات من عمره الحقيقي لا ينبغي التعامل معه كتشخيص طبي مستقل".

وتضيف "إذا كان عمر شخص 40 عاماً وأعطاه الجهاز عمراً بيولوجياً يبلغ 35 عاماً، فلا يعني ذلك أن جسمه أصبح طبياً في الخامسة والثلاثين. هو تقدير تنتجه خوارزمية وفق البيانات والمعايير التي تستخدمها، ويجب فهمه ضمن هذه الحدود".