دخلت الإمارات مرحلة جديدة في خدمات الرصد الفضائي الفورية المدعومة بالذكاء الاصطناعي من خلال القمر الصناعي التجاري "Altair-1" المُصمَّم والمُصنَّع داخل منشأة "أوربت ووركس" بمنطقة كيزاد في أبوظبي، في خطوة تعزز القدرات الفضائية الوطنية وتدعم تطوير خدمات رصد أكثر سرعة ودقة.
وقّعت "أوربت ووركس" أولى اتفاقياتها مع وكالة الفضاء الفرنسية (CNES)، كأول جهة حكومية أوروبية تشتري سعة في كوكبة أقمار إماراتية الصنع.
تخطط الشركة لاستثمار مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لتوسيع شبكة أقمارها الصناعية، إلى جانب ضخ نحو 200 مليون دولار في منشأة التصنيع بمنطقة كيزاد.
وفي حوار خاص لـ24 مع سالم العلوي، نائب رئيس تطوير الأعمال في الشركة، أكد أن القمر الذي يتجاوز وزنه 200 كيلوغرام سيُطلق في 1 أكتوبر المقبل عبر "سبيس إكس" إلى مدار يبعد 500 كيلومتر عن الأرض. ويجمع "ألتير-1" بين الاستشعار المتعدد، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات الفورية لرصد الحرائق، الفيضانات، مصافي النفط، البنية التحتية، وتتبع حركة السفن.

وأوضح العلوي أن المشروع يحظى بدعم استراتيجي ومالي طويل الأجل من القيادة الإماراتية ومستثمرين بارزين، ما يعكس رؤية الدولة في الاستثمار الاستباقي وتوطين تقنيات الفضاء والتصنيع المتقدم لبناء قدرات سيادية مستدامة. وفيما يتعلق بحجم الاستثمارات، أعلنت الشركة عن خطة لاستثمار مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لتوسيع شبكة أقمارها الصناعية، إلى جانب ضخ نحو 200 مليون دولار في منشأة التصنيع بمنطقة كيزاد.

وفيما يلي أبرز ما جاء في حوارنا مع الأستاذ سالم العلوي:
1- سبب اختيار "أوربت ووركس" بناء كوكبة من 10 أقمار بدلاً من قمر واحد وما الميزة التشغيلية؟
يقول سالم: "القمر الصناعي الواحد يمكنه إثبات قدرة معينة، بينما تستطيع كوكبة الأقمار الصناعية تحويل هذه القدرة لخدمة متكاملة. منذ اليوم الأول، صممنا مشروعاً قابلاً للتوسع بدءاً من منشأتنا في أبوظبي، التي تتمتع بطاقة إنتاجية تصل إلى 50 قمراً سنوياً، وصولاً إلى القمر ألتير-1 نفسه".
وتتيح كوكبة "ألتير-1" الـ10 إعادة رصد أي نقطة على الأرض كل 4 ساعات، مما يوفر معلومات استخباراتية فورية يمكن التصرف بناءً عليها فوراً، بدلاً من مجرد توثيق ما حدث.
ويعتمد "ألتير-1" على بنية طموحة تجمع بين تعدد أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي على متن القمر، والاتصالات في الوقت الفعلي، ومن أبرز استخداماته التشغيلية، إدارة حرائق الغابات والفيضانات، ومراقبة مصافي النفط والبنية التحتية، وتتبع السفن البحرية.
ويوضح سالم مثالاً قائلاً: "يمكن لشركات النفط مراقبة آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب دون الحاجة إلى مركبات أو طائرات مسيّرة أو فرق ميدانية؛ كما تستطيع شركات التأمين تقييم أضرار الفيضانات خلال ساعات، بينما يمكن لجهات الاستجابة لحرائق الغابات الحصول على تحذيرات بشأن مخاطر الحرارة قبل اندلاع أي شرارة، مؤكداً: "أنت تعرف بوجود الخطر قبل اندلاع الحريق، وتتحرك في وقت أبكر".
2- ما الموعد المستهدف لإطلاق القمر الصناعي الأول؟ الجدول الزمني للتشغيل التجاري؟
يؤكد سالم: "من المقرر إطلاق القمر ألتير-1 في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بواسطة "سبيس إكس"، من ولاية كاليفورنيا إلى مدار يبعد نحو 500 كيلومتر فوق سطح الأرض. وقد أكمل القمر عمليات الاختبار والتأهيل في منشأتنا بمنطقة كيزاد، وتم نقله إلى موقع الإطلاق خلال الأسبوع الماضي".
ويضيف: "من المخطط إطلاق الأقمار الصناعية الـ9 المتبقية خلال النصف الأول من 2027، فوفقاً للخطة سيتم إطلاق 4 أقمار خلال الربع الأول من 2027 ثم إطلاق الـ5 الباقية في منتصف العام ذاته، لتدخل الكوكبة الـ10 حيز التشغيل خلال 2027.
ويلفت سالم إلى أن الهدف الحقيقي للمشروع تقليص الفجوة الزمنية بين وقوع حدث ما على الأرض، وحصول العميل على المعلومات التي تُمكنه من اتخاذ إجراء في الوقت الفعلي.
3. ما العمر التشغيلي المستهدف لكل قمر صناعي؟ وخطة نشر الكوكبة؟
يشير سالم إلى أن العمر التشغيلي المستهدف لكل قمر صناعي 8 سنوات، مؤكداً أن الكوكبة صُممت لضمان استمرارية الخدمة والموثوقية والمرونة، ويمكن نشر كوكبة كاملة في غضون 12 شهراً فقط، بينما يمكن وضع مستشعر منفرد في المدار خلال مدة قصيرة تصل إلى 6 أشهر.
4- ما القيمة العملية لتزويد "Altair-1" بالذكاء الاصطناعي؟
تُعد هذه من أبرز القدرات التي تميز "ألتير-1"، إذ لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على متن القمر كميزة إضافية، بل كجزء أساسي من بنيته التحتية، بحسب تصريحات سالم لـ24
ويضيف: "يمكن للذكاء الاصطناعي رصد التغيرات وتحديد أولويات الأحداث مثل الفيضانات والحرائق والأنشطة البحرية والتغيرات في البنية التحتية، ما يسرّع تحليل البيانات والانتقال من الرصد إلى اتخاذ القرار.
وتعمل "أوربت ووركس" أيضاً على تطوير منصة مفتوحة لاستضافة تطبيقات متخصصة في الفضاء، بما يتيح للخبراء الاستفادة من بيانات أجهزة الاستشعار المتعددة.
ومع دمج الاستشعار المتعدد والحوسبة والذكاء الاصطناعي في المدار، يتحول القمر الصناعي من أداة لالتقاط الصور إلى منصة استخباراتية قابلة للبرمجة، بما قد يغير مستقبل رصد الأرض.
5. هل يمكن استخدام "Altair-1" في مراقبة سلاسل التوريد والموانئ والمنشآت الحيوية؟
يجيب سالم بـ"نعم" بل وتشمل أبرز التطبيقات المراقبة البحرية وتتبع السفن، ومراقبة البنية التحتية والأصول، ورصد سلاسل التوريد ومسارات النقل.
وبحسب سالم، فمن عملاء "أوربت ووركس" المؤكدين، أكاديمية أبوظبي البحرية التي ستستخدم بيانات "ألتير-1" لإدارة الموانئ ومتابعة حركة السفن في الوقت الفعلي، كما سيستخدم صندوق أبوظبي للتنمية الكوكبة لمراقبة مشاريعه التنموية عن بُعد في المناطق صعبة الوصول. ويشير إلى أن الجمع بين أجهزة الاستشعار المتعددة والذكاء الاصطناعي وإعادة الرصد المتكرر داخل القمر يتيح اكتشاف التغيرات والأنشطة والأنماط بشكل أسرع، فالهدف ليس مجرد صور أفضل، بل وعي أسرع بالمتغيرات واتخاذ قرارات سليمة.
6. ما القطاعات المستهدفة والأعلى طلباً على خدمات "Altair-1"؟
يُعد قطاع الدفاع من أبرز القطاعات المستهدفة، وتشمل تطبيقات "ألتير-1" الأمن الوطني، مراقبة الحدود، المراقبة البحرية، واكتشاف التشويش على أنظمة الملاحة (GNSS)، إلى جانب إدارة الكوارث، والزراعة والأمن الغذائي، ومراقبة المناخ، فضلاً عن النفط والغاز، والتأمين، والتخطيط الحضري والشحن.
وتتيح أجهزة الاستشعار المتعددة والذكاء الاصطناعي تحليل أبعاد مختلفة للبيئة نفسها، واستخراج معلومات لا يوفرها مصدر واحد، بما يساعد القطاعات المختلفة على رصد التغيرات واتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
7- ما حجم الإنتاج المستهدف والقدرة التصنيعية خلال 5 أو 10 سنوات مقبلة؟
تمتلك منشأة "أوربت ووركس" في أبوظبي طاقة إنتاجية تصل إلى 50 قمراً صناعياً سنوياً عند التشغيل بكامل طاقتها، بمعدل يقارب قمراً واحداً أسبوعياً، بحسب سالم، الذي أكد لـ24 أن الشركة تجري مباحثات مع عملاء دوليين لتصنيع أقمار منفردة وكوكبات متكاملة، وسط تنامي الطلب العالمي على البنية التحتية الفضائية، وزيادة الحاجة إلى قدرات تصنيع أسرع ومصادر إمداد متنوعة ونماذج أكثر كفاءة للسيادة الفضائية.
8- ما هي الأسواق المستهدفة والشراكات الدولية والمحلية لـ "أوربت ووركس"؟
تستهدف "أوربت ووركس" أسواقاً دولية واسعة، ويؤكد سالم أن الشركة أبرمت أولى اتفاقياتها متعددة السنوات مع وكالة الفضاء الفرنسية (CNES) للحصول على خدمات "ألتير-1، لتصبح أول جهة حكومية أوروبية تشتري سعة في كوكبة أقمار صناعية مبنية ومتكاملة في الإمارات.
ويلفت إلى أن الشركة تجري مباحثات مع عملاء في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، فيما تشمل شراكاتها المحلية أكاديمية أبوظبي البحرية، وصندوق أبوظبي للتنمية، ومجموعة "إيدج ضمن برنامج "سرب" التابع لوكالة الإمارات للفضاء.
كما يوسع استخدام صندوق أبوظبي للتنمية للكوكبة نطاق الحضور التشغيلي ليشمل أفريقيا وأمريكا الجنوبية، حيث تنتشر مشاريعه التنموية.
وتستهدف الشركة سوقين رئيسيين: الدول الساعية لتطوير قدراتها الفضائية بتكلفة ووقت أقل، والأسواق المتقدمة التي تبحث عن تقنيات وقدرات تصنيع ومصادر إمداد جديدة، مستفيدة من موقع دولة الإمارات، وقوة علاقاتها التجارية والدبلوماسية العالمية، وبيئتها التنظيمية، وبنيتها اللوجستية المتقدمة.
9- ما الآليات المتبعة لحماية الأقمار من المخاطر السيبرانية أو التلاعب بالبيانات؟
يُشدد سالم على أن الأمن السيبراني يُدمج كجزء أساسي في بنية منظومة "ألتير-1" منذ البداية، عبر حماية الأقمار الصناعية والاتصالات والأنظمة الأرضية والبيانات باستخدام التشفير، المصادقة، التحقق من الصلاحيات، وضوابط سلامة البيانات.
كما تختبر الشركة تقنيات التشفير الكمي في المدار، مع تطوير حلول أمنية متطورة تتيح للعملاء اختيار مستويات الحماية وفق احتياجاتهم، بالتوازي مع تطور الاعتماد على البنية التحتية الفضائية.
10- ما أبرز الاختبارات التي اجتازها القمر الصناعي قبل نقله إلى موقع الإطلاق؟
تم تجميع ودمج واختبار "ألتير- 1" بالكامل في منشأة "أوربت ووركس" بمنطقة كيزاد بأبوظبي، وخضع القمر لاختبارات المكونات والأنظمة والبيئة لضمان جاهزيته للإطلاق الرسمي والعمل في الفضاء بنجاح، وتحمل الظروف القاسية المصاحبة.
ويوضح سالم: "لا يثبت نجاح الاختبارات جاهزية القمر فحسب، بل يعكس أيضاً كفاءة الكوادر والبنية التحتية والقدرات التصنيعية التي نعمل على تطويرها داخل الإمارات. فالهدف يتجاوز إثبات التكنولوجيا إلى ترسيخ نموذج متكامل يمكّن الإمارات من مجرد اقتناء القدرات الفضائية إلى تصميم وتصنيع أقمار صناعية وتشغيلها وتصدير قدراتها الفضائية إلى العالم.