يستعد سوق النحاس لجلسة جديدة من التداولات المتقلبة، بعدما سجل أحد أهم المؤشرات التي تقيس ضيق الإمدادات قصيرة الأجل في بورصة لندن للمعادن، قفزة حادة، في إشارة جديدة إلى تزايد الضغوط على توافر المعدن في السوق الفورية.

وفقاً إلى "بلومبرغ" تداولت العقود الآجلة للنحاس التي تستحق بعد يوم واحد في بورصة لندن للمعادن بعلاوة بلغت 75 دولاراً للطن مقارنة بالعقود التي تستحق بعد يوم إضافي، وهو أكبر فارق يسجل منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، عندما بلغ الفارق 100 دولار للطن بالتزامن مع وصول سعر النحاس القياسي في بورصة لندن إلى مستوى قياسي.

فارق الأسعار يكشف ضغوط الإمدادات

ويعد هذا الفارق بين العقود قصيرة الأجل. مؤشراً مهماً على حالة السوق، إذ تعكس العلاوة التي يدفعها المتعاملون للحصول على النحاس في وقت أقرب، وجود طلب قوي على المعدن المتاح فوراً، أو نقصاً في الكميات المتوفرة في المستودعات والأسواق الفورية.

وتأتي القفزة الأخيرة في الفارق. في وقت يشهد فيه سوق النحاس العالمي حالة من عدم التوازن بين المعروض والطلب، مع تزايد المخاوف من محدودية الإمدادات في الأجل القريب.

ويشير ارتفاع سعر العقود القريبة مقارنة بالعقود اللاحقة إلى ما يعرف في أسواق السلع بحالة "باكورديشن"، وهي وضعية غالباً ما ترتبط بتشدد المعروض الفوري وارتفاع قيمة الحصول على المعدن في الوقت الحالي مقارنة بتسليمه في المستقبل.

النحاس في قلب موجة تقلبات

وتضيف التطورات الأخيرة إلى سلسلة من التحركات الحادة التي شهدها النحاس خلال الفترة الماضية، بعدما سجل المعدن مستويات قياسية مع تزايد المخاوف بشأن قدرة المنتجين على مواكبة نمو الطلب العالمي.

وكان النحاس وصل إلى مستوى قياسي بلغ 12,558 دولاراً للطن في أواخر عام 2025، فيما أشار تحليل سابق لـ"بلومبرغ" إلى أن السوق تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب محدودية نمو الإمدادات في الوقت الذي تتوسع فيه الاستخدامات الصناعية للمعدن.

ويكتسب النحاس أهمية متزايدة باعتباره مكوناً أساسياً في شبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية والبنية التحتية للطاقة، إضافة إلى مراكز البيانات التي تتوسع بسرعة مع نمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

المخزونات والتدفقات العالمية تحت الضغط

وتعكس حالة السوق الحالية أيضاً التغيرات الكبيرة في تدفقات النحاس العالمية خلال العامين الماضيين، بعدما أدت تحركات الأسعار والسياسات التجارية الأمريكية إلى جذب كميات كبيرة من المعدن إلى الولايات المتحدة.

وأدى تراكم المخزونات الأمريكية إلى تغيير مسارات التجارة العالمية للنحاس، في الوقت الذي أثرت فيه زيادة الكميات المتجهة إلى الولايات المتحدة على توافر المعدن في مناطق أخرى من العالم ورفعت الضغوط السعرية على السوق العالمية.

وشهدت بورصة لندن للمعادن في فترات سابقة ضغوطاً مماثلة بصورة أكثر حدة، إذ وصل الفارق بين النحاس الفوري والعقود لأجل ثلاثة أشهر إلى 280 دولاراً للطن في يونيو (حزيران) 2025، في واحدة من أكبر حالات التشدد في سوق النحاس، بالتزامن مع انخفاض سريع في المخزونات المسجلة لدى البورصة.

الطلب من الذكاء الاصطناعي يضيف ضغوطاً جديدة

ولا تقتصر المخاوف بشأن مستقبل المعروض على مشكلات الإنتاج التقليدية، إذ أصبح الطلب المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات عاملاً مهماً في توقعات سوق النحاس.

وتحتاج مراكز البيانات وشبكات الكهرباء المرتبطة بها إلى كميات كبيرة من النحاس، في وقت تواجه فيه صناعة التعدين صعوبات في زيادة الإنتاج بسرعة، نتيجة طول المدة المطلوبة لتطوير المناجم الجديدة والتوسع في المناجم القائمة.

وتتوقع "بلومبرغ إن إي إف" أن يؤدي النمو القوي في الطلب من مراكز البيانات إلى زيادة حدة نقص النحاس خلال النصف الثاني من العقد، مع إمكانية وصول العجز العالمي إلى نحو 6 ملايين طن بحلول 2035.

الإنتاج يواجه تحديات متزايدة

وتزداد صعوبة معالجة فجوة المعروض بسبب التحديات التي تواجه شركات التعدين، سواء نتيجة تعطل بعض عمليات الإنتاج أو صعوبة تطوير مشروعات جديدة بالسرعة المطلوبة.

وكانت اضطرابات الإنتاج في مناجم ومصاهر رئيسية. أثرت بالفعل على سوق النحاس، في وقت واجهت فيه المصاهر ضغوطاً متزايدة نتيجة نقص خام النحاس المتاح للمعالجة.

وفي أغسطس (آب) 2025، أدى تعطل منشأة مرتبطة بمجمع "غراسبرغ" للنحاس والذهب في إندونيسيا إلى اضطراب عمليات الإنتاج، قبل أن تتدخل شركة "فريبورت-ماكموران" بزيادة مبيعات خام النحاس لتوفير بعض الإمدادات للمصاهر.