تشهد أسواق السندات العالمية موجة بيع واسعة دفعت العوائد إلى مستويات مرتفعة، وسط مخاوف من استمرار التضخم، وتصاعد الديون الحكومية، وزيادة إصدارات الدين المرتبطة باستثمارات الذكاء الاصطناعي، ما دفع المستثمرين إلى طلب تعويض أكبر على الديون طويلة الأجل.
ووفق وكالة "بلومبرغ" الإخبارية، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.31%، وهو الأعلى منذ 2007، بينما لامست عوائد السندات لأجل 10 سنوات 4.75%، وهو الأعلى منذ أوائل 2025.
ولا تقتصر الضغوط على السوق الأمريكية، إذ ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل في الأسواق الأوروبية والآسيوية، ما يعكس إعادة تسعير عالمية لمخاطر التضخم والدين.
الدين والتضخم في صدارة المخاوف
في آخر طرح لسندات 30 عاماً، باعت وزارة الخزانة الأمريكية 25 مليار دولار بعائد بلغ نحو 5.22%، وهو الأعلى منذ 2001، وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز".
يأتي ذلك مع اقتراب الدين العام الأمريكي من 40 تريليون دولار، ما يزيد مخاوف المستثمرين من اتساع احتياجات الحكومة التمويلية، وارتفاع حجم السندات التي يتعين على السوق استيعابها، يضاف إلى ذلك استمرار التضخم فوق مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، إذ سجل 3.4% في يوليو (تموز) الماضي، بحسب الصحيفة.
كما أسهمت الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة، مع تداول خام برنت قرب 91 دولاراً للبرميل، في زيادة المخاوف من بقاء الضغوط التضخمية لفترة أطول، وفق بلومبرغ.

الذكاء الاصطناعي يضيف الضغوط
تواجه سندات الخزانة منافسة متزايدة من إصدارات الشركات، مع توجه شركات التكنولوجيا إلى الاقتراض لتمويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية.
وتجاوزت إصدارات الشركات الأمريكية في أغسطس (آب) الحالي 145 مليار دولار، وهو مستوى قياسي للشهر.
وتخلق هذه الطفرة منافسة مباشرة على أموال المستثمرين. فعندما تستطيع الشركات تقديم عوائد جذابة على سنداتها، يتعين على سندات الخزانة أيضاً تقديم أسعار أكثر تنافسية لجذب رأس المال، ما يساهم في ارتفاع العوائد الحكومية، بحسب "بلومبرغ".
وتشير توقعات "باركليز" إلى أن إجمالي إصدارات السندات ذات التصنيف الاستثماري قد يصل خلال 2026 إلى مستوى قياسي يبلغ 1.9 تريليون دولار، مقابل 1.44 تريليون دولار في العام السابق.
وقالت شركة "يارديني للأبحاث" لوكالة بلومبرغ، إن السوق أصبح أكثر قلقاً من الارتفاع الكبير في اقتراض الشركات العملاقة، إلى جانب التساؤلات بشأن احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إذا إذا استمرت أسعار النفط في الصعود.
وفي السياق نفسه، حذرت صحيفة "وول ستريت جورنال" من أن 9 شركات تكنولوجية كبرى لديها التزامات خارج الميزانية العمومية بقيمة 3 تريليونات دولار، يرتبط معظمها بالذكاء الاصطناعي، ما يثير مخاوف بشأن قدرتها على الوفاء بهذه الالتزامات إذا جاءت إيرادات القطاع دون توقعات المستثمرين.
ويرى رئيس قسم أبحاث أسعار الفائدة في بنك باركليز، أنشول برادهان، أن "موجة بيع سندات الخزانة طويلة الأجل، تحركها 3 عوامل مترابطة: توقعات عجز الميزانية، وإصدارات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتغير قاعدة مشتري سندات الخزانة".

المستثمرون يطالبون بسعر أعلى
تكشف صحيفة "فايننشال تايمز"، نقلاً عن "BMO Capital Markets"، أن الطلب على الدين الأمريكي لا يزال قوياً نسبياً. إذ سجل مزاد سندات الـ 30 عاماً معدل تغطية بلغ 2.39 مرة، متجاوزاً متوسط المزادات الستة السابقة، ما يشير إلى أن المستثمرين لم يعزفوا عن السندات، لكنهم باتوا يطالبون بعائد أعلى مقابل شرائها.
وتنعكس المخاوف على منحنى العائد، إذ اتسعت الفجوة بين عائدي السندات لأجل عامين و30 عاماً إلى نحو 113 نقطة أساس، وهي الأكبر منذ أبريل (نيسان) الماضي، ما يشير إلى أن ضعف بعض البيانات الاقتصادية خفف الضغط على الآجال القصيرة، بينما بقيت العوائد الطويلة مرتفعة بفعل مخاطر التضخم والدين وزيادة المعروض، وفق بلومبرغ.
الخزانة تحاول الحد من الضغوط
من جهتها، أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أنها لا تعتزم زيادة أحجام إصدارات السندات طويلة الأجل خلال الأرباع المقبلة، مع إمكانية توجيه احتياجات تمويل إضافية نحو أذون الخزانة القصيرة.
وبحسب محللون في "TD Securities"، من المتوقع أن يحدّ ذلك من الضغط على العوائد الطويلة، لكنه يجعل الدين أكثر حساسية لتغير أسعار الفائدة، نتيجة الحاجة إلى إعادة التمويل بصورة متكررة.