تتجه دولة الإمارات إلى تطوير منظومة صحية أكثر استباقية، توظف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وتقنيات الجينوم والطب الدقيق للتنبؤ بالمخاطر الصحية ورصد أعراضها في مراحل مبكرة، بما يعزز القدرة على التدخل الوقائي قبل تطور الأمراض أو حدوث مضاعفات.
تتسارع ملامح هذا التحول خلال 2026، عبر حزمة مبادرات وبرامج، في مقدمتها "مستقبل الصحة – مبادرة عالمية من أبوظبي"، التي تحمل هذا العام شعار "نحو نظم صحية تستشعر المخاطر استباقياً"، وبرنامج "اطمئنان" أحد ركائز الصحة الوقائية وطول العمر، ومشروع "البصيرة السلوكية" الذي يوظف البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم العوامل المؤثرة في الخيارات الصحية للأفراد، واستهداف تحديات تشمل السمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية من خلال تدخلات موجهة. وفقاً لوكالة أنباء الإمارات (وام).
مرجع جيني محلي
يتيح برنامج الفحوص الجينية للمواليد الجدد في أبوظبي، الكشف المبكر عن أكثر من 815 حالة وراثية قابلة للعلاج، بينها حالات قد لا تظهر أعراضها عند الولادة، لكنها قد تؤثر في صحة الطفل مستقبلاً.
وتوضح الدكتورة نورة الظاهري، استشارية علم الوراثة والجينوم والأمراض الاستقلابية في مستشفى توام، "أن أهمية دراسة الجينوم الإماراتي المرجعي، تكمن في الاكتشافات التي أظهرتها، إذ اعتمدت الدراسة على 50 ألف عينة جينية، أسفرت عن تحديد أكثر من 5.2 مليون متغير جيني جديد".
وتضيف الظاهري لـ24 "أن هذه المتغيرات تمثل نحو 12% من المتغيرات الجديدة وغير المكتشفة سابقاً في خريطة الجينوم الإماراتي"، وتشير إلى أن "واحداً من كل ثمانية متغيرات جينية لدى المواطن الإماراتي، لم يكن موجوداً في قواعد البيانات العالمية، ما يوضح أهمية بناء مرجع جيني محلي يعكس الخصائص الوراثية للسكان الإماراتيين".
وتؤكد "أن التجربة الإماراتية لا تتوقف عند البحث العلمي، بل تتحول إلى خدمات طبية يستفيد منها المواطن، إذ يغطي فحص ما قبل الزواج 570 جيناً و 840 حالة طبية، ويكشف فحص المواليد عن 815 حالة وراثية قابلة للعلاج. هكذا تساعد الصيدلة الجينية الطبيب على اختيار الدواء والجرعة المناسبين وفق التركيب الجيني للمريض، بدلاً من الاعتماد على التجربة والخطأ".
الذكاء الاصطناعي يقرأ البيانات الجينية
بدوره، يشير الدكتور حسان جعفر، استشاري الأورام والمدير الطبي لمعهد برجيل للأورام، في تصريحات لـ24، إلى أن "السرطان يمثل أحد أبرز المجالات التي يستفيد فيها الطب التنبؤي من هذه التطورات، إذ تساعد دراسة التغيرات الجينية الموروثة، إلى جانب التاريخ العائلي والعوامل البيئية ونمط الحياة، في تحديد مستوى الخطورة وتحديد الأشخاص الذين قد يستفيدون من برامج متابعة أو فحوص أكثر دقة".
ويضيف: "في أبوظبي، طُور برنامج للطب الشخصي الدقيق في الأورام، يعتمد على الجينوم والذكاء الاصطناعي، بهدف دعم الكشف والتشخيص والعلاج وتقليل مخاطر عودة المرض".
الطب الدقيق في علاج الأورام
ويقول جعفر: "لا يقتصر دور الجينوم في السرطان على التنبؤ بالاستعداد للإصابة، بل يمتد إلى فهم خصائص الورم نفسه. فالفحوص الجزيئية والجينية للأورام تساعد على تحديد التغيرات البيولوجية الموجودة في الخلايا السرطانية، ما يمكن أن يدعم اختيار العلاج الأكثر ملاءمة للمريض".
ويوضح "يُعرف هذا النهج باسم الطب الدقيق في علاج الأورام (Precision Oncology)، إذ يتم الانتقال تدريجياً من نموذج علاجي موحد إلى قرارات علاجية تستند إلى الخصائص الجزيئية والجينية للمرض".
ويضيف "تؤكد إرشادات دائرة الصحة في أبوظبي، أهمية الفحوص الجسدية والجزيئية للأورام كجزء من منظومة الطب الدقيق، بما يشمل الأورام الصلبة وأورام الدم".
"وتزداد قوة هذا النموذج عندما يتم دمج الجينوم مع الذكاء الاصطناعي والبيانات الصحية. فالذكاء الاصطناعي قادر على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالطرق التقليدية، بينما توفر البيانات الجينومية معلومات إضافية عن الخصائص البيولوجية للفرد والمرض"، وفقاً لجعفر.
"وفي أبوظبي، تجاوز تطبيق الطب الدقيق في الأورام الجانب البحثي إلى التطبيق السريري، إذ استفاد البرنامج منذ إطلاقه من الفحوص الجينية لتطوير خطط علاج ووقاية مخصصة لمرضى السرطان، كما تم وضع خطط وقائية لأفراد من عائلات مرضى ثبتت لديهم طفرات جينية مرتبطة ببعض أنواع السرطان"، بحسب د. جعفر.
توسيع مفهوم الوقاية
ويشير د. جعفر، إلى أن "الإمارات تتجه إلى توسيع مفهوم الوقاية القائمة على البيانات، من خلال بناء قواعد بيانات جينومية واسعة: وربطها بالبحث الطبي والبيانات الصحية".
وأُنشئت منصة الجينوم المرجعي الإماراتي "بهدف مساعدة الباحثين والأطباء على فهم الخصائص الجينية للسكان، وتحديد عوامل الخطورة الجينية، فيما يجري تطوير مبادرات بحثية في مجال Multi-omics، الذي يجمع بين بيانات الجينات والـRNA والبروتينات وغيرها من المؤشرات البيولوجية للحصول على فهم أكثر تكاملاً للمرض. وهذا المجال مهم بشكل خاص في أبحاث السرطان، لأنه يسمح بدراسة المرض من مستويات بيولوجية متعددة بدلاً من الاعتماد على مؤشر واحد"، بحسب د.جعفر.
ويؤكد: "مفهوم (التنبؤ الصحي) لا يعني التنبؤ بشكل مؤكد بأن شخصاً ما سيصاب بمرض معين، وإنما يعني استخدام الأدلة العلمية والبيانات الجينية والسريرية وعوامل الخطورة لتقدير الاحتمالات، ثم اتخاذ خطوات وقائية أو تشخيصية في الوقت المناسب. وفي السرطان، يمكن أن يبدأ المسار بتحديد عوامل الخطورة، ثم الفحص المناسب، يليه التشخيص الجزيئي عند الحاجة، وصولاً إلى اختيار العلاج الأكثر ملاءمة ومراقبة الاستجابة واحتمالات عودة المرض".
ويوضح "جوهر الانتقال من الرعاية التفاعلية إلى الرعاية الاستباقية: أن يصبح اكتشاف الخطر والتدخل المبكر جزءاً من الرعاية الصحية قبل أن يصل المرض إلى مرحلة متقدمة".