شهد القطاع المصرفي في دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً استراتيجياً لافتاً خلال النصف الأول من 2026، حيث اندفعت البنوك العاملة في الدولة نحو تعزيز أصولها الاستثمارية في الأسواق العالمية بشكل غير مسبوق، مدفوعة بوفرة السيولة النقدية، والرغبة في تعظيم العوائد الاستثمارية المقومة بالعملات الأجنبية.

ووفقاً لقراءة تحليلية لـ 24 استناداً إلى الإحصائيات الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي لشهر يونيو(حزيران) 2026، فقد سجل بند "الأوراق المالية" ضمن المحفظة الاستثمارية للأصول الأجنبية قفزة قوية عكست بوضوح تباين السياسات الاستثمارية بين البنوك الوطنية ومنافستها الأجنبية العاملة بالدولة.

نمو مطرد وسيولة متدفقة

وتظهر البيانات المالية المجمعة أن رصيد استثمارات البنوك الإماراتية في الأوراق المالية الأجنبية (والتي تشمل السندات السيادية، أذونات الخزانة الدولية، وأسهم الشركات العالمية) ارتفع من 597.6 مليار درهم "162.8 مليار دولار "في نهاية ديسمبر(كانون الأول) 2025 ليتجاوز حاجز678.7 مليار درهم"185 مليار دولار تقريباً" بحلول يونيو(حزيران) من عام 2026.

 ويمثل هذا الصعود زيادة قدرها 81.1 درهم "ما يعادل 22 مليار دولار" في غضون ستة أشهر فقط، محققاً نسبة نمو إجمالية بلغت 13.6% في نهاية النصف الأول من عام 2026.

ولم تكن هذه الطفرة الاستثمارية وليدة قفزة مفاجئة، بل جاءت نتيجة مسار صعودي شهري متزن ومستمر، حيث استهلت المحفظة العام عند 613 مليار درهم تقريباً "167مليار دولار "في يناير (كانون الثاني)، ثم واصلت الصعود لتسجل 628.6 مليار درهم "171.3 مليار دولار " في مارس(آذار)، و651 مليار درهم "177.4 مليار دولار "في أبريل (نيسان)، قبل أن تستقر عند مستواها القياسي في يونيو الماضي.

  البنوك الوطنية تفرض هيمنتها

وتظهر عملية تحليل بنية هذا النمو وجغرافيا التمويل في الاستثمار بالأصول الاجنبية، أن البنوك الوطنية كانت المحرك الأساسي والوحيد تقريباً وراء هذه الطفرة الاستثمارية المليارية بالخارج.

 فقد رفعت البنوك قيمة استثماراتها في الأوراق المالية الأجنبية من 551.5 مليار درهم"150.3 مليار دولار " في ديسمبر 2025 إلى 632.8 مليار درهم "172.4 مليار دولار "في يونيو 2026، مسجلةً معدل نمو قوياً بلغت نسبته 14.75%.

 وأسهم هذا الضخ الاستثماري الكثيف في استحواذ البنوك الوطنية بمفردها على 93.2% من إجمالي استثمارات القطاع المصرفي بالخارج.

 ويعكس هذا السلوك الاستثماري رغبة الإدارات التنفيذية للبنوك الوطنية في استغلال الفوائض المالية الضخمة الناتجة عن نمو الودائع محلياً، وتوجيهها نحو أسواق السندات الدولية (خاصة السندات وأذونات الخزانة الأمريكية والأوروبية) للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة والمستقرة عالمياً، مما يضمن تدفقات نقدية ثابتة وقليلة المخاطر لدعم ربحية البنوك.

 تحفظ البنوك الأجنبية

على الجانب الآخر من المشهد المالي، أظهرت البنوك الأجنبية العاملة في الدولة سلوكاً مغايراً تماماً اتسم بالتحفظ الشديد.

 فقد تراجعت محفظة الأوراق المالية الأجنبية لهذه البنوك بنسبة طفيفة بلغت 0.41%، لتهبط من 46.1 مليار درهم "12.6 مليار دولار" في ديسمبر (كانون الأول) 2025 إلى 45.9 مليار درهم "12.5 مليار دولار" في يونيو 2026 (بانخفاض قدره 192 مليون درهم).

 ويفسر هذا التباين الواقع التشغيلي، إذ إن فروع البنوك الأجنبية في الإمارات غالباً ما تركز على تقديم الخدمات الائتمانية والتمويل التجاري للشركات متعددة الجنسيات داخل الدولة، بدلاً من بناء محفظة استثمارية رأسمالية كبرى بالخارج، حيث تُدار المحافظ الاستثمارية الضخمة لتلك البنوك عادةً من خلال مقراتها الرئيسية في لندن، نيويورك، أو باريس، وليس عبر فروعها الإقليمية.

حركة تصحيحية للائتمان

وبالتوازي مع هذا التوسع الخارجي، أظهرت النشرة الإحصائية الصادرة عن المصرف المركزي، حركة تصحيحية وإعادة ترتيب للأولويات في السوق المحلي. فقد سجل بند "الائتمان الممنوح للمؤسسات المالية الأخرى والأسواق" تراجعاً بنسبة 5.13% خلال النصف الأول من عام 2026، حيث انخفض من 26 مليار درهم "7 مليارات دولار " إلى نحو "24.7 مليار دولار".

ويُعزى هذا التراجع الطفيف إلى عاملَين رئيسيَّين: هما، الانتعاش القياسي والأداء التاريخي لأسواق المال المحلية "سوق أبوظبي المالي ADX وسوق دبي المالي" والذي منح الشركات والمؤسسات المالية سيولة ذاتية ضخمة قللت من حاجتها للاقتراض المباشر من البنوك. 

أما ثاني العوامل، فهو رغبة البنوك في موازنة مخاطر الائتمان من خلال خفض التمويل الموجه للمضاربات والأسواق، وتوجيه السيولة بدلاً من ذلك نحو "الاستثمارات المحلية" المستقرة كالسندات والصكوك الحكومية المحلية.

استشراف للمستقبل

ويؤكد المشهد المصرفي الإماراتي في منتصف عام 2026 على الملاءة المالية العالية والمرونة الكبيرة التي يتمتع بها القطاع.

كما أن التوازن الذكي الذي تقوده البنوك الوطنية بين اقتناص الفرص الاستثمارية في الخارج عبر الأوراق المالية الأجنبية، وبين الحفاظ على أصول محلية قوية ومستقرة، يعزز من قدرة القطاع المصرفي على مواجهة أي تقلبات في الاقتصاد العالمي، ويضمن استمرار تدفق الأرباح للمساهمين مع الحفاظ على مستويات سيولة تزيد بكثير عن المتطلبات التنظيمية للمصرف المركزي.