​دخلت العلاقات الكندية- الأمريكية نفقاً مظلماً، فالحليفان اللذان طالما ارتبطا بشراكة اقتصادية وتجارة حرة لعقود، يدخلان اليوم حرباً تجارية متصاعدة تفتقر إلى أي منفذ للحل.

وأمام هذا المشهد المتأزم، يقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، أمام اختبار سياسي حاسم، إذ أقدم في قرار متأخر من الليل على تعليق المفاوضات مع الرئيس دونالد ترامب والبدء بإجراءات انتقامية، بدلاً من التوقيع على اتفاق كان يبدو وشيكاً، بحسب تقرير لهيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي".

و​تبادل الطرفان الاتهامات بشأن انهيار الاتفاق المبدئي في لحظاته الأخيرة، ويقول كارني إن "واشنطن تغوّلت في مطالبها وقدمت القليل، وإن الرسوم الجمركية الجديدة ما هي إلا حسابات خاطئة أُريد بها إيذاؤنا وتفريق جمعنا".

ويرهن هذا القرار مدى قدرة الشارع الكندي على تحمّل التبعات الاقتصادية الصعبة في سبيل انتزاع تنازلات أكبر من واشنطن

وبعد رفضه لأساليب الضغط التي ينتهجها ترامب، يتوجب على كارني الآن إقناع مواطنيه بأن مرارة هذه الصدمة الاقتصادية هي ثمن مستحق للصمود بوجه الإدارة الأمريكية، نيلًا لاتفاق أفضل على المدى البعيد، وفق التقرير.

​وفي كلمة ألقاها أمس السبت، قال كارني بثقة: "نتخذ هذه الخطوة ونحن على يقين تام بأنها تصب في مصلحة كندا العليا"، متهماً واشنطن بمحاولة فرض إرادتها عبر تعديلات الرمق الأخير. 

ورداً على سؤال صحفي حول ما إذا كانت البلدان دخلتا حرباً تجارية، أجاب كارني: "تندلع الحرب حين تُهاجَم، ونحن تعرّضنا للهجوم بالفعل، وهذا التصعيد لم يكن خيارنا، لكن كندا قوية، مستعدة، وموحدة".

​خسائر متوازية على جانبي الحدود

وتشير التوقعات إلى أن هذه المواجهة ستُلقي بظلالها الثقيلة على جانبي الحدود، فالشركات باتت تحت مقصلة الرسوم الأمريكية والرسوم الكندية المضادة. 

وتُعد كندا الشريان التجاري الأول لعدد من الولايات الأمريكية مثل ميشيغان، كنتاكي، إنديانا، وأوهايو، في حين تُوجّه كندا نحو 70% من صادراتها إلى الأسواق الأمريكية.

​وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة "Abacus Data" أن 36% من الكنديين يؤيدون الرد بالمثل، بينما كشف استطلاع "Leger" أن 56% يطالبون الحكومة بتبني موقف صارم ورفض تقديم أي تنازلات إضافية.

​وامتد الانزعاج الشعبي إلى مقاطعة خيارات السفر إلى الولايات المتحدة، ما حرم القطاع السياحي الأمريكي من 2.35 مليار دولار أمريكي العام الماضي. 

​ويقول التحليل: "على كارني الآن حشد تأييد المقاطعات الكندية الأقل تضرراً لإقناعها بأن الانسحاب مخاطرة تستحق الخوض".

وحتى اللحظة، تبدي المقاطعات جبهة متماسكة، إذ أكد ديفيد إيبي، رئيس وزراء بريتيش كولومبيا، التزامه بـ "المشروع الوطني"، بينما جزم دوغ فورد، رئيس وزراء أونتاريو "لم نبدأ هذه المعركة، لكنني أؤكد لكم أننا سننتصر فيها".

ماذا حدث في اللحظات الأخيرة؟

طوال أسبوع كامل، كان الانطباع السائد يشير إلى قرب التوصل إلى صفقة بين واشنطن وأوتاوا، غير أن المفاوضات انهارت في ساعاتها الحاسمة.

​ويوضح كارني أن الشروط المفاجئة التي طرحتها واشنطن مؤخراً كانت "مجحفة، غير اقتصادية، وتنسف مصداقية أي اتفاق"، مشيراً إلى أنها تضمنت تعنتاً في قطاع السيارات وقيوداً "غير مقبولة" على تجارة كندا مع الدول الأخرى.

وفي انتقاد لاذع لإدارة ترامب، قال كارني: "نعلم تماماً أن توقيع هذه الإدارة أحياناً يُكتب بقلم رصاص".

و​في المقابل، عزى الممثل التجاري الأمريكي، جاميسون غرير، الإخفاق إلى مطالب جديدة وتراجع كندا عن التزامات سابقة، في حين أشارت مصادر إعلامية كندية إلى عدم رضا وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك عن مجريات الصفقة.

​ورغم التكتم الذي أحيط بالاتفاق المؤقت، إلا أن مخاوف ثارت لدى بعض رؤساء المقاطعات والمعارضة الكندية من تقديم تنازلات مجحفة. 

ونبه دوغ فورد في خطاباته من أن التنازل تحت الضغط "سيشجع واشنطن على طلب المزيد"، بينما أكد زعيم المعارضة المحافظة بيير بوليفير، أن "كندا لا يمكنها القبول بتعريفات أحادية الأطراف تدمّر بنيتها الصناعية".

و​يضع هذا الانهيار مستقبل العلاقات التجارية المشتركة بما فيها المراجعة المرتقبة لاتفاقية التجارة الحرة بين أمريكا ومكسيكو وكندا على المحك، بينما تنتظر أوتاوا بكثير من الحذر الخطوة القادمة للرئيس ترامب.