من الرسوم الجمركية إلى العقوبات المالية، ومن حظر تصدير التكنولوجيا إلى تقييد الوصول إلى المعادن والطاقة، تتسع حول العالم مساحة تستخدم فيها الدول الاقتصاد ضمن أدوات صراعاتها السياسية والجيوسياسية، فيما تنتقل المواجهة من خصوم تقليديين مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران، إلى حلفاء تربطهم علاقات تجارية عميقة، مثل الولايات المتحدة وكندا.

منظمة التجارة: نشاط السياسات التجارية يقترب من ضعف مستوى 2024.. و18 ألف إجراء تمييزي منذ 2020
محمد العطيفي لـ"24": السلاح الاقتصادي يتحول من أداة ضغط مؤقتة إلى عنصر دائم في سياسات الدول

وتكشف أحدث البيانات الصادرة عن منظمة التجارة العالمية حجم التحول في نشاط السياسات التجارية عالمياً، إذ تشير إلى أن حجم النشاط الذي شهدته تلك السياسات، خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مايو (أيار) 2026، قرابة ضعف مستواه مقارنة بعام 2024، وبزيادة تقارب 25% عن متوسط العام الماضي.

الاقتصاد العالمي يتجه لتخطي 150 تريليون دولار بحلول 2030 - موقع 24يتجه الاقتصاد العالمي إلى تخطي حاجز 150 تريليون دولار بحلول عام 2030، مدفوعًا بنمو الاقتصادات الناشئة، ولا سيما في آسيا، وفق أحدث التوقعات الاقتصادية الدولية، وتشير التقديرات إلى أن الناتج الاقتصادي العالمي سيزداد بنحو 25 تريليون دولار بين عامي 2026 و2030.

وتقول منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" إن نحو 18 ألف إجراء تجاري تمييزي جديد فُرض حول العالم منذ 2020، فيما أصبحت الحكومات تستخدم السياسات التجارية بدرجة أكبر لخدمة أهداف تتعلق بالأمن والصناعة والسياسة الخارجية.

أمريكا وكندا.. الرسوم تصل إلى الحلفاء

أحدث الجبهات ظهرت بين الولايات المتحدة وكندا، رغم أن البلدين تجمعهما واحدة من أكبر العلاقات التجارية في العالم، إذ فرضت واشنطن رسوماً بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، بعد انهيار مفاوضات تجارية بين الجانبين.

"الحرب الاقتصادية" على إيران.. جبهة جديدة للتوتر بين واشنطن وبكين - موقع 24تفتح العقوبات الأمريكية جبهة جديدة في العلاقة الاقتصادية المتوترة أصلاً بين الولايات المتحدة والصين، بعدما هددت واشنطن بفرض إجراءات على الدول والشركات التي تواصل تعاملاتها التجارية مع إيران، في خطوة تضع بكين مباشرة أمام اختبار جديد مع الإدارة الأمريكية.

وردت أوتاوا، بحسب وكالة "رويترز" للأنباء، برسوم على واردات أمريكية بالقيمة نفسها تقريباً، تشمل نحو 700 منتج وتتراوح نسبتها بين 15 و50%، وتدخل حيز التنفيذ في 8 سبتمبر (أيلول)، إلى جانب حزمة دعم بقيمة 7.5 مليارات دولار كندي للشركات والعمال المتضررين.

أمريكا والصين.. المواجهة تنتقل إلى التكنولوجيا

توسع الصراع الأمريكي الصيني في السنوات الأخيرة وتجاوز الرسوم الجمركية، وشمل الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات والاستثمارات والتكنولوجيا، في مقابل استخدام بكين موقعها المهيمن في سلاسل توريد المعادن النادرة.

هل تدفع رسوم الـ50% الشركات لمغادرة كندا.. وما البدائل؟ - موقع 24فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 50% على بضائع كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، في تصعيد تجاري يضغط على قطاعات صناعية متعددة، ويدفع الشركات التي تعتمد على السوق الأمريكية إلى إعادة تقييم جدوى استمرار بعض عمليات التصنيع في كندا.

وتظهر بيانات منظمة التجارة العالمية أن التجارة بين الولايات المتحدة والصين نمت بين 2018 و2024 بوتيرة أبطأ بنحو 30% من تجارة كل منهما مع بقية العالم.
وفي 2025 وحده، هبطت الواردات الأمريكية من الصين 29%، لتتراجع حصة بكين من السوق الأمريكية من 13.8 إلى 9.3%، بينما زادت الواردات الأمريكية من دول آسيوية بينها الهند وفيتنام وتايلاند وإندونيسيا.

ويقول الدكتور محمد العطيفي، خبير الاقتصاد المقيم في لندن، إن القيود التكنولوجية أخطر من الرسوم في قدرتها على دفع الاقتصاد العالمي نحو الانقسام، موضحاً أن الشركات تستطيع التعامل مع الرسوم في بعض الحالات عبر تغيير المورد أو بلد التصنيع، لكن تقييد الرقائق المتقدمة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قد يجبر الطرف الآخر على بناء منظومة تكنولوجية بديلة.

ويضيف لـ"24"، أن تحول التكنولوجيا الأمريكية والصينية إلى منظومتين منفصلتين قد يضع دولاً كثيرة أمام خيار الاعتماد على إحدى المنظومتين، أو بناء أنظمة مزدوجة، وهو ما وصفه بأنه خيار مرتفع التكلفة.

إيران.. العقوبات تطال من يتعامل معها

وفي إيران، وسعت واشنطن نطاق المواجهة الاقتصادية هذا الأسبوع، بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية حملة عقوبات جديدة شملت قرابة 60 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بطهران، وامتدت إلى شبكات تعمل في النفط والشحن والتكنولوجيا والذهب والطيران والعملات المشفرة.

"الغضب الاقتصادي".. كيف تخطط أمريكا لخنق إيران؟ - موقع 24لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران تقتصر على الصواريخ والعمليات العسكرية، إذ تتجه إلى مسار اقتصادي يستهدف المصارف والتجارة والنفط والملاحة، ضمن حملة أمريكية جديدة ضد طهران تحمل اسم "الغضب الاقتصادي".

ولا تقف الإجراءات عند الكيانات الإيرانية، إذ تهدد الولايات المتحدة باستخدام العقوبات الثانوية ضد شركات ومؤسسات خارج إيران.

وتبرز الصين في هذا الملف باعتبارها أكبر مشتر للنفط الإيراني خلال السنوات الأخيرة. وبحسب بيانات تتبع الشحنات التي أوردتها "رويترز"، تراجعت صادرات النفط الإيراني المتجهة إلى الصين إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس (آب)، مقابل 823 ألف برميل في يوليو (تموز)، مع تشديد الضغوط الأمريكية.

روسيا.. من البنوك إلى السفن

أما روسيا، فتواجه شبكة من العقوبات الغربية اتسعت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا لتشمل الطاقة والتمويل والتكنولوجيا والنقل البحري والشركات التي تساعد موسكو على الالتفاف على القيود.

وفي يوليو (تموز)، أقر الاتحاد الأوروبي الحزمة الـ21 من العقوبات على روسيا، وأضاف 48 فرداً و170 كياناً إلى قوائم العقوبات، ومنع 41 سفينة إضافية مرتبطة بما يعرف بـ"أسطول الظل" من دخول الموانئ الأوروبية.

ويقول العطيفي إن المشهد لم يعد مجرد حرب تجارية مرافقة للصراع السياسي، بعدما تحول الاقتصاد نفسه إلى أداة من أدوات القوة، عبر العقوبات والرسوم الجمركية وقيود التكنولوجيا وحظر التصدير والسيطرة على المواد الخام والطاقة والممرات البحرية والنظام المالي.

ويضيف أن الشركات كانت تسأل قبل تصاعد الصراعات عن المكان الذي تستطيع فيه إنتاج السلعة بأقل تكلفة، بينما أصبح السؤال الآن: "أين أستطيع إنتاجها دون التعرض لعقوبات أو حصار سياسي؟".

تجارة مستمرة.. لكن بخريطة مختلفة

ورصدت منظمة التجارة العالمية تجدد التباعد بين التجارة داخل الكتل الجيوسياسية والتجارة بين الكتل خلال 2025، وقالت إن أحدث موجة من التفتت ارتبطت بدرجة كبيرة بتسارع فك الارتباط التجاري بين الولايات المتحدة والصين.

ويرى العطيفي أن احتمال تقسيم الاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة أصبح حقيقياً، لكنه ليس حتمياً ولا يعني أن العالم عاد بالفعل إلى اقتصادين منفصلين بالكامل.

ويقول إن المرحلة الحالية أقرب إلى بداية انقسام تتحرك فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها في اتجاه، والصين وشراكاتها في اتجاه آخر، بينما تحاول دول أخرى، خصوصاً الاقتصادات النامية، الحفاظ على علاقاتها مع الجانبين.

ويضيف أن ما يجري قد يمثل انتقالاً "من اقتصاد عالمي يتأثر بالحروب إلى اقتصاد عالمي يعاد تنظيمه بسبب الحروب"، مع تحول السلاح الاقتصادي من إجراء مؤقت أثناء الأزمات إلى عنصر أكثر ثباتاً في السياسة الخارجية للدول.