رغم تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية وارتفاع عوائد السندات، أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على الصمود خلال الأسابيع الأخيرة، مدعوماً بقوة غير متوقعة من طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، التي دفعت الإنفاق في الولايات المتحدة ورفعت صادرات الاقتصادات الآسيوية.

استثمارات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ومراكز البيانات تسهم بنحو ثلث النمو الاقتصادي الأمريكي خلال 2026

ففي الوقت الذي اندلعت فيه حرب تجارية بين كندا والولايات المتحدة، وتصاعدت المواجهة المرتبطة بإيران، وأثارت عوائد السندات المرتفعة مخاوف بشأن تكاليف الاقتراض، ظلت أسعار النفط دون 90 دولاراً للبرميل، بينما اقتربت أسواق الأسهم من مستوياتها المرتفعة الأخيرة. 

كما تظهر مؤشرات نشاط الأعمال تحسناً في اقتصادات متقدمة خلال الصيف، وظلت حركة التجارة العالمية قوية.

الذكاء الاصطناعي يعوض صدمة الطاقة

يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم محركات هذا الصمود، بعدما أدى توسع مراكز البيانات إلى موجة استثمارية واسعة في الولايات المتحدة، بالتزامن مع ارتفاع الطلب الآسيوي على الرقائق والمكونات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ويرى بنك "آي إن جي" أن استثمارات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ومراكز البيانات تسهم بنحو ثلث النمو الاقتصادي الأمريكي خلال 2026، مع توجه الإنفاق نحو أشباه الموصلات والإلكترونيات والكابلات والمعادن والآلات المستوردة من دول مختلفة.

وانعكس ذلك بوضوح على التجارة الآسيوية؛ إذ ارتفعت صادرات الصين 25% في يوليو (تموز) مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بينما زادت صادرات اليابان 22%، وتايوان بنحو الثلث، وقفزت صادرات كوريا الجنوبية 63%.

ولم تستفد الاقتصادات الكبرى فقط من هذه الطفرة؛ ففي تايلاند، سجلت الصادرات مستويات قوية مع تصاعد الطلب، بينما رفعت سنغافورة توقعاتها للنمو الاقتصادي هذا العام إلى ما يصل إلى 5.5%، مقابل 4% سابقاً، مدفوعة جزئياً بالطلب القوي على أشباه الموصلات والمكونات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

النفط لم يتحول إلى أزمة عالمية

جاءت طفرة الذكاء الاصطناعي في وقت كان الاقتصاد العالمي يواجه فيه ضغوطاً من اضطرابات الطاقة؛ فقد أدى إغلاق مضيق هرمز في فبراير (شباط) إلى اضطراب حركة إمدادات النفط، لكنه لم يتسبب حتى الآن في الكارثة التي توقعها بعض المحللين.

وساعدت الاحتياطيات الكبيرة من الطاقة الدول على تعويض الشحنات المفقودة، كما اتجهت إلى تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك الولايات المتحدة. 

ولعبت الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، دوراً مهماً بعدما خفضت وارداتها بشكل حاد، وهو ما ساعد على كبح الطلب والأسعار.

وفي أوروبا، أسهم ارتفاع الإنفاق الحكومي على الدفاع والبنية التحتية في دعم اقتصادات ما زالت تتعافى من صدمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي مواصلة الإنقاذ؟

رغم ذلك، يزداد قلق الاقتصاديين من اعتماد النمو العالمي على محرك واحد؛ وترى كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أن الاقتصاد العالمي يعيش مواجهة بين صدمة سلبية في جانب العرض بسبب أزمة الشرق الأوسط، وصدمة إيجابية في الطلب يقودها الذكاء الاصطناعي.

لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن آثار انتشار التكنولوجيا على الاقتصاد لا تزال غير مؤكدة، مشيرة إلى مخاطر محتملة على الاستقرار المالي في ظل ارتفاع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي وتوسع الاقتراض المرتبط بها.

ويحذر اقتصاديون أيضاً من أن النمو أصبح أكثر تركيزاً، خصوصاً في آسيا، حيث تعتمد اقتصادات مثل الصين بدرجة كبيرة على الصادرات بدلاً من مصادر النمو الداخلية كالاستهلاك.

وقال ماكس زينجلاين، كبير اقتصاديي منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى "كونفرنس بورد"، إن النمو أصبح أضيق نطاقاً، محذراً من أن موجة الطلب السريع على الذكاء الاصطناعي قد تكون وصلت إلى مرحلة يبدأ فيها النمو بالتباطؤ.

ومع استمرار المخاطر الجيوسياسية وأسواق الطاقة، يبقى السؤال الاقتصادي الأهم؛ إلى أي مدى يستطيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مواصلة تعويض الضغوط التي تواجه الاقتصاد العالمي؟