ترتفع احتمالات توسع المشاريع الصغيرة والمتوسطة بأكثر من 32% عندما تعمل في قطاعات كثيفة الاستخدام للتكنولوجيا الرقمية، مقارنة بنظيراتها في القطاعات الأخرى، وفق دراسة حديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في مؤشر إلى الدور المتزايد للرقمنة في فتح أسواق جديدة أمام المشاريع الصغيرة ودعم نموها.

وأظهرت الدراسة، الصادرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أن كثافة الاستثمار الرأسمالي لدى المشاريع المتوسعة في القطاعات الرقمية تبلغ نحو ثلث مستواها لدى نظيراتها في القطاعات الأخرى، ما يعني أن النمو في البيئة الرقمية يمكن أن يعتمد بدرجة أقل على الاستثمارات المادية التقليدية.

وغيرت هذه التحولات بصورة جوهرية فرص أصحاب المشاريع الصغيرة في الوصول إلى أسواق جديدة، بحسب سعيد محمد، خبير الاقتصاد وإدارة المشاريع، إذ أتاحت لهم التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي الترويج لمنتجاتهم والوصول مباشرة إلى المستهلك خارج السوق المحلي، دون الحاجة منذ البداية إلى استثمارات كبيرة في فروع خارجية أو شبكات تقليدية من الموزعين.

انخفاض كلفة الوصول إلى العميل

ويضيف محمد أن انخفاض كلفة الوصول إلى العميل يمنح المشروع الصغير فرصة لاختبار الطلب في أكثر من سوق قبل اتخاذ قرار بالتوسع الفعلي، إذ يمكن لصاحب المشروع معرفة الأسواق الأكثر اهتماماً بمنتجه، وقياس استجابة المستهلكين وتطوير أسلوب التسويق وفقاً لذلك.

وتكشف دراسة OECD أيضاً عن ارتباط بين التصدير ونمو المشاريع الصغيرة. ففي خمس من أصل 6 دول توفرت عنها البيانات، كانت المشاريع الصغيرة والمتوسطة سريعة النمو أكثر ميلاً إلى تصدير السلع من غيرها.

ولدى نحو مشروع واحد من كل أربعة مشاريع حققت نمواً سريعاً في الإيرادات، كان النمو مدفوعاً بصورة رئيسية بزيادة صادرات السلع. وتشير المنظمة إلى أن دعم المشاريع التي نجحت في السوق المحلية بالخبرات والشبكات اللازمة لدخول أسواق جديدة يمكن أن يساعدها على الاستفادة من إمكانات التوسع عبر التجارة.

تغير نقطة البداية للمشاريع

ويرى سعيد محمد أن المنصات الرقمية غيرت نقطة البداية بالنسبة إلى صاحب المشروع، موضحاً أن التوسع الخارجي كان يرتبط تقليدياً بالبحث عن موزع أو شريك في السوق المستهدفة وتحمل تكاليف الوصول إلى المستهلك، بينما بات بالإمكان اليوم بدء عملية الترويج والوصول إلى العملاء رقمياً، ثم الانتقال إلى استثمارات أكبر عندما يثبت وجود طلب حقيقي.

ويشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أدت دوراً مهماً في هذا التحول، لأنها منحت المشاريع الصغيرة أدوات لبناء هوية للعلامة التجارية والتواصل المباشر مع الجمهور خارج حدودها المحلية، وهي إمكانات كانت تحتاج سابقاً إلى ميزانيات تسويقية أكبر.

وتؤكد OECD أن السياسات الحكومية الداعمة لنمو المشاريع الصغيرة بدأت بدورها تستخدم المنصات الرقمية كأداة للوصول إلى الأسواق. ويظهر مسح المنظمة للسياسات أن 28 بالمئة من المنصات المستخدمة في سياسات دعم التجارة توفر قنوات للتجارة الإلكترونية، بينما يستخدم 25 بالمئة منها في التسويق والإعلان وبناء العلامة التجارية.

التكنولوجيا تفتح الباب.. لكنها لا تلغي التكلفة

ولا يعني انخفاض حواجز الوصول إلى المستهلك اختفاء تكاليف التوسع، وفق سعيد محمد، الذي يرى أن المشروع ينتقل عند دخوله السوق الخارجية إلى مجموعة مختلفة من التحديات، في مقدمتها تحديد السعر المناسب وتكاليف الشحن والعمولات والمرتجعات ووسائل الدفع، إلى جانب اختلاف متطلبات المستهلكين والقواعد المنظمة للأسواق.

ويضيف أن القدرة على الوصول إلى جمهور عالمي تعني أيضاً اتساع دائرة المنافسة، ولذلك لا يكفي امتلاك منتج جيد أو حساب نشط على منصة اجتماعية، بل يحتاج المشروع إلى استراتيجية تسويق واضحة، وفهم السوق المستهدفة، وبناء ثقة المستهلك في العلامة التجارية.

وتشير منظمة التجارة العالمية إلى أن التجارة الإلكترونية والتكنولوجيات الرقمية تعيد تشكيل كيفية إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها عبر الحدود. كما يستهدف اتفاق التجارة الإلكترونية للمنظمة تسهيل التجارة الرقمية العابرة للحدود وتعزيز الثقة في المعاملات الإلكترونية ودعم اقتصاد رقمي أكثر شمولاً.

فرص جديدة أمام المشاريع متناهية الصغر

وفي مارس (آذار) 2026، اعتمد 66 عضواً في منظمة التجارة العالمية، يمثلون نحو 70 بالمئة من التجارة العالمية، مساراً لإدخال الاتفاق حيز التنفيذ عبر ترتيبات مؤقتة. وقالت المنظمة إن الاتفاق من شأنه فتح فرص جديدة أمام المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، عبر تقليل الحواجز التنظيمية وتعزيز وصولها إلى الأسواق العالمية.

وبحسب سعيد محمد، فإن التحول الأهم بالنسبة إلى أصحاب المشاريع الصغيرة يتمثل في أن التفكير بالسوق العالمية لم يعد بالضرورة مرحلة تأتي بعد أن يصبح المشروع كبيراً، إذ يستطيع المشروع اليوم استخدام الأدوات الرقمية للوصول إلى المستهلك الخارجي في مرحلة أبكر، ثم توسيع نشاطه تدريجياً وفق حجم الطلب والقدرة على المنافسة.