حثّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط بالبيت الأبيض، أمس الثلاثاء، الشركات على بناء مزيد من المصافي القادرة على زيادة إنتاج الوقود، في إطار مساعيه لخفض أسعار البنزين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني). لكن إقناع الشركات بهذه الخطوة ليس سهلاً.

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"  أن "تشغيل المصافي الأمريكية القائمة يحقق أرباحاً كبيرة حالياً،  أما بناء مصفاة جديدة فوضع مختلف". وتوضح "رغم الأرباح القياسية التي تحققها شركات التكرير وسط اضطرابات تاريخية في إمدادات الوقود، فإن الشركات لا تخطط لبناء مصافٍ جديدة، لأنها لا تتوقع استمرار الظروف الاستثنائية الحالية طويلاً".

وخلال الاجتماع، ناقش ترامب ومسؤولو شركات النفط وسائل إضافية لزيادة طاقة التكرير الأمريكية، من بينها تخفيف القيود التنظيمية، وتسريع إجراءات إصدار التصاريح، وضخ استثمارات إضافية.

وقال مسؤول أمريكي إن "الرئيس أوضح أنه يريد أسعار بنزين أقل للأمريكيين عند محطات الوقود، وشركات التكرير والتوزيع تشاركه هذا الهدف والالتزام".

"زوبعة" بيع سندات ترفع فاتورة الاقتراض في أوروبا لأعلى مستوى منذ 15 عاماً - موقع 24تعرّضت أسواق الديون الأوروبية لضغوط حادة بفعل موجة بيع عالمية للسندات، وسط تصاعد المخاوف بشأن التضخم وعجز الموازنات وارتفاع مستويات الدين الحكومي.

وأضاف البيت الأبيض أن الاتفاق المفاجئ الذي أبرمه ترامب للحصول على حصة مباشرة في جزء واسع من احتياطيات النفط الفنزويلية يعني أن الولايات المتحدة تحتاج إلى مزيد من طاقات التكرير لاستيعاب البراميل الجديدة مع بدء زيادة الإنتاج.

وشارك في الاجتماع مسؤولون تنفيذيون من شركات "شيفرون" و"فاليرو إنرجي" و"ماراثون بتروليوم" و"بي.بي.إف.إنرجي"، إلى جانب شركات أخرى، بينما لم ترسل "إكسون موبيل" (ثالث أكبر شركة تكرير في الولايات المتحدة) ممثلاً عنها.

وكانت بعض الشركات مترددة في البداية في حضور الاجتماع، في ظل انتقادات ترامب الأخيرة لقطاع النفط بسبب عدم خفض أسعار البنزين بالسرعة التي يطالب بها. وبلغ متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة نحو 4.10 دولارات، الثلاثاء، مقارنة بـ2.98 دولار قبل اندلاع الصراع في إيران، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية.

لكن الجزء الأكبر من العوامل التي تدفع أسعار الوقود إلى الارتفاع، يقع خارج سيطرة كل من الرئيس الأمريكي وصناعة النفط".

أزمة المنتجات المكررة تتجاوز النفط الخام

وبعد 6 أشهر من الحرب، أصبحت أزمة نقص الديزل ووقود الطائرات والبنزين، مصدر القلق الأكبر في قطاع الطاقة، متجاوزة الاضطرابات التي شهدتها سوق النفط الخام.

ولتلبية الطلب، تعمل المصافي الأمريكية في الأسابيع الأخيرة بأكثر من 97% من طاقتها الإجمالية، بالقرب من أعلى معدل تشغيل في 8 أعوام، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

وقال الرئيس التنفيذي لـ"إكسون موبيل" دارين وودز للمستثمرين في أواخر يوليو (تموز): "معدلات التشغيل التي نشهدها حالياً لا يمكن الحفاظ عليها على المدى الطويل"، مضيفاً أن "أزمة التكرير العالمية مرشحة للاستمرار لبعض الوقت". وتؤجل بعض الشركات أعمال صيانة كانت مقررة سلفاً للاستفادة من الهوامش المرتفعة لإنتاج الديزل وغيره من أنواع الوقود.

وسجل ما يعرف بـ"هامش التكرير" أو (Crack Spread)، وهو الفارق بين تكلفة شراء النفط الخام وسعر بيع المنتجات المكررة، مستوى قياسياً تجاوز 100 دولار للبرميل بالنسبة للديزل في الآونة الأخيرة. وساهم ذلك في تعزيز أرباح القطاع بقوة.

وحققت أكبر 6 شركات طاقة أمريكية تعمل في تحويل النفط إلى منتجات مكررة أرباحاً مجمعة بلغت 24.7 مليار دولار من أنشطة التكرير في الربع الثاني، أي ما يقرب من خمسة أمثال أرباح الفترة نفسها قبل عام.

المصفاة الجديدة تكلف مليارات الدولارات

ورغم الأرباح الضخمة، لا تبدو جدوى بناء مصافٍ جديدة مقنعة للشركات. إذ يتطلب إنشاء مصفاة جديدة استثمارات بمليارات الدولارات وفترة بناء تتراوح بين 3 و5 أعوام، بينما تتوقع الصناعة أن تكون أسواق الطاقة قد استعادت توازنها قبل اكتمال مثل هذه المشروعات.

ولهذا السبب، تركز الشركات بدلاً من ذلك على توسيع المصافي القائمة وتحديثها. وقال روبرت كامبل، المحلل لدى "إنرجي أسبكتس" في نيويورك، إنه من غير المنطقي ضخ استثمارات بمليارات الدولارات اعتماداً على بضعة أشهر فقط من هوامش الأرباح القياسية.

وأشار إلى أن الظروف الحالية استثنائية، في ظل تعرض روسيا لهجمات تستهدف مصادر الطاقة، واستمرار أزمة الشرق الأوسط، والتراجع التدريجي للصادرات الصينية من المنتجات النفطية. وتغلق الولايات المتحدة مصافي النفط منذ عقود، إذ يوجد حالياً 128 مصفاة أقل مما كان عليه العدد في 1982.

وأحدث مصفاة نفطية كبيرة في الولايات المتحدة اكتمل بناؤها في 1977، في حين شُيّد نحو ربع المصافي الأمريكية القائمة قبل أكثر من قرن.

عراقيل تنظيمية وطلب يتجه للانخفاض

وتواجه إقامة مصافٍ جديدة عقبات كبيرة، في مقدمتها العدد الكبير من التصاريح اللازمة من الجهات الفيدرالية وحكومات الولايات والسلطات المحلية. ويحاول قطاع النفط منذ سنوات إقناع الكونغرس بإصلاح نظام إصدار التصاريح لتسهيل تنفيذ خطوط الأنابيب وغيرها من مشروعات البنية التحتية للطاقة.

وفي الوقت ذاته، من المتوقع انخفاض الطلب على البنزين على المدى الطويل، مع انتشار السيارات الكهربائية وتحسن كفاءة محركات الاحتراق الداخلي.

وقال جون أويرز، مدير تسويق الوقود المكرر لدى شركة تحليلات النفط والغاز (Novi Labs)، إن السؤال الذي يواجه الشركات هو: من سيستثمر في أصل قد ينخفض الطلب على منتجاته بحلول الوقت الذي يكتمل فيه بناؤه؟.

ويقدر أويرز أن شركات النفط تستطيع إضافة نحو 400 ألف برميل يومياً إلى طاقة التكرير الأمريكية خلال العشرين عاماً المقبلة، عبر توسيع المنشآت الحالية في تكساس ولويزيانا وولايات أخرى على ساحل الخليج. وتعادل هذه الزيادة تقريباً الطاقة الإنتاجية لمصفاة كبيرة واحدة.

مشروع بقيمة 300 مليار دولار يواجه شكوكاً

ولا يزال المحللون متشككين في قدرة مشروعات المصافي الجديدة على الانطلاق فعلياً. وكان ترامب أعلن في مارس (آذار) أن شركة ناشئة تحمل اسم America First Refining ستفتتح في براونزفيل بولاية تكساس أول مصفاة نفط جديدة في الولايات المتحدة منذ 50 عاماً.

وتبلغ القيمة المعلنة للمشروع 300 مليار دولار، وكان من المفترض أن يوفر وظائف ويدعم النمو الاقتصادي في جنوب تكساس.

لكن المنطقة تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لنقل كميات كافية من النفط إلى المصفاة، كما أن تمويل المشروع والحصول على التصاريح اللازمة يمثلان تحديين كبيرين.

وفي الوقت نفسه، تنفق كبرى شركات النفط مئات الملايين من الدولارات لتغيير طبيعة إنتاج مصافيها، عبر تقليص الاعتماد على البنزين، وهو الوقود الأكثر تأثراً بانتشار السيارات الكهربائية، وزيادة إنتاج الديزل والبتروكيماويات وزيوت التشحيم.

ومن المتوقع أن تنفق "إكسون موبيل" نحو ملياري دولار لتحديث مصفاتها في بايتاون بولاية تكساس اعتباراً من 2028، بهدف إنتاج مزيد من الديزل والزيوت الأساسية المستخدمة في مواد التشحيم، وتقليل إنتاج البنزين. كما تنفذ "شيفرون" مشروعاً مماثلاً لكن بحجم أصغر في مصفاتها بمدينة باسكاغولا في ولاية مسيسيبي.

وسبق للرئيس التنفيذي لـ"شيفرون" مايك ويرث أن أشار إلى أن الشركة تتجه على المدى الطويل إلى إعطاء وزن أكبر لأنشطة إنتاج النفط مقارنة بأعمال التكرير.

وقال ويرث للمستثمرين العام الماضي إنه لا يستبعد تماماً الاستثمار مستقبلاً في التكرير إذا ظهرت فرصة مناسبة، لكنه أكد أن توجه "شيفرون" الاستراتيجي منذ فترة طويلة يتمثل في زيادة التركيز على أنشطة المنبع، أي استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما.