لم تكن خريطة الملاحة العالمية ثابتة يوماً، فمنذ كانت التجارة تعتمد على الرياح الموسمية والموانئ الوسيطة، وصولاً إلى القنوات التي شقت اليابسة لاختصار آلاف الكيلومترات، أعادت الجغرافيا والتكنولوجيا والتحولات الجيوسياسية تشكيل طرق انتقال السلع والطاقة بين القارات.

واليوم، مع اضطراب الملاحة عبر البحر الأحمر وعودة سفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، يبدو أن العالم يختبر من جديد مرونة هذه الخريطة وقدرته على العودة إلى مسارات أطول وأكثر كلفة.

الحروب تعيد رسم مسارات الملاحة

وأظهرت محطات تاريخية متعاقبة أن الممرات البحرية قد تتحول، في أوقات الصراع، من شرايين للتجارة إلى نقاط تتأثر مباشرة بالتطورات العسكرية والأمنية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، برزت حالات أعادت فيها الحروب حسابات الملاحة والتجارة والطاقة، ودفعت السفن إلى تغيير مساراتها لتجنب مناطق الخطر.

وكانت حرب يونيو (تموز) 1967 إحدى أبرز المحطات في هذا المسار، بعدما توقفت الملاحة في قناة السويس إثر الحرب، وبقيت القناة مغلقة أمام الملاحة الدولية حتى 5 يونيو 1975.

وتوضح هيئة قناة السويس أن إعادة فتحها جاءت بعد تطهيرها من مخلفات الحرب ورفع السفن الغارقة بين حربي 1967 و1973، فيما توقف برنامج تطوير القناة نتيجة حرب 1967.

ولم يكن أثر إغلاق القناة محصوراً في الممر نفسه، إذ أعاد تعطله إلى الواجهة المسار البحري حول رأس الرجاء الصالح، ليصبح الطريق الأطول بديلاً عن الممر الأقصر بين أوروبا وآسيا،

وكشفت تلك التجربة مبكراً أن تعطّل ممر اصطناعي لا يوقف التجارة بالضرورة، لكنه يفرض على السفن إعادة حساب المسافة والزمن والتكلفة.

حرب الخليج.. الملاحة وأمن الطاقة

وبعد أكثر من عقدين، أظهرت حرب الخليج عام 1991 نوعاً آخر من المخاطر التي يمكن أن تواجه الملاحة، حين تحول الخليج العربي إلى منطقة عمليات عسكرية وتهديدات مباشرة للسفن.

وخلال عملية "عاصفة الصحراء"، استخدمت القوات العراقية الألغام البحرية في مياه الخليج، وأصبحت المخاطر التي تهدد حركة السفن جزءاً مباشراً من العمليات العسكرية، وفقاً لـ البحرية الأمريكية.

ومع حرب العراق عام 2003، استمر ارتباط الملاحة بأمن الطاقة، في وقت كان فيه الخليج أحد المحاور الرئيسية لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية، وأثرت الحرب في إنتاج العراق النفطي وإمداداته، فيما واجه القطاع بعد الحرب مشكلات مرتبطة بالبنية التحتية واضطرابات في بعض مناطق الإنتاج والتصدير.

وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن إنتاج العراق النفطي واجه بعد 2003 اختناقات في البنية التحتية واضطرابات في الإمدادات، قبل أن يرتفع تدريجياً خلال السنوات اللاحقة.

الحرب الأوكرانية.. سلاسل الإمداد تبحث عن مسارات بديلة

ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية في 2022 لتضيف بعداً جديداً إلى خريطة اضطرابات الملاحة، بعدما أصبح البحر الأسود ومنشآته وموانئه جزءاً من تداعيات الحرب، وأدت الحرب إلى تعطيل التجارة والخدمات اللوجستية في أوكرانيا ومنطقة البحر الأسود، فيما زاد البحث عن طرق بديلة لنقل السلع الأوكرانية الضغط على البنية التحتية البرية والبحرية.

وأشارت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية " الأونكتاد" إلى أن تكاليف نقل البضائع السائبة الجافة ارتفعت بنحو 60% بين فبراير (شباط) ومايو (أيار) 2022، في ظل تداعيات الحرب على تجارة الحبوب وسلاسل الإمداد.

وفي أواخر 2023، انتقل اضطراب الملاحة إلى البحر الأحمر، مع تصاعد هجمات الحوثيين على السفن، ما دفع شركات شحن إلى تجنب العبور عبر قناة السويس وإعادة توجيه رحلاتها حول رأس الرجاء الصالح.

وقدرت الأونكتاد أن حركة العبور عبر قناة السويس تراجعت بنحو 42% مقارنة بذروة 2023، بينما أدى تحويل السفن إلى المسار حول أفريقيا إلى زيادة أوقات الرحلات والتكاليف والضغط على سلاسل الإمداد.

وفي 2026، اتسع نطاق الاختبار مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات نقل الطاقة في العالم.

وبحسب بيانات رويترز، تراجع عدد السفن التي تعبر المضيق بصورة حادة، إذ سجلت ست سفن تجارية للسلع عبورها يوم الأربعاء، مقارنة بمتوسط يومي يقارب 13 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، في مؤشر على استمرار تأثير المخاطر الأمنية في حركة الملاحة.

التحول الأول.. التجارة تتحرك مع الرياح والموانئ

وفي تاريخ الملاحة، يمكن رصد 5 تحولات رئيسة أعادت تشكيل طرق التجارة، من شبكات المحيط الهندي إلى قناة السويس وبنما، ثم صعود أهمية مضائق الطاقة، وصولاً إلى عودة المسارات البديلة في السنوات الأخيرة.

وقبل عصر الطرق البحرية العابرة للمحيطات، قامت التجارة في المحيط الهندي على شبكة من الموانئ والمسارات التي ربطت شرق أفريقيا والجزيرة العربية والهند وجنوب شرق آسيا، مستفيدة من أنماط الرياح الموسمية في تحديد مواسم الإبحار واتجاهاته. ولم تكن التجارة تتحرك عبر طريق واحد، بل عبر شبكة من المراكز والموانئ.

ويشير بحث منشور عبر "كامبريدج يونيفرستي برس" إلى الدور الحاسم للرياح الموسمية والموانئ في تنظيم الرحلات وشبكات التجارة في المحيط الهندي.

رأس الرجاء الصالح يفتح طريقاً بحرياً جديداً

في 20 مايو (أيار) 1498، وصل فاسكو دا غاما إلى كاليكوت في الهند، بعد رحلة حول رأس الرجاء الصالح، لتثبت البرتغال إمكانية الربط البحري المباشر بين أوروبا والهند. وكان بارتولوميو دياز قد سبق دا غاما إلى تجاوز الرأس عام 1488، فيما أسهمت رحلة 1498 في فتح الطريق أمام البرتغال إلى تجارة التوابل الآسيوية.

وتشير أبحاث منشورة عبر "كامبريدج يونيفرستي برس" إلى أن البرتغاليين سعوا إلى تحويل تجارة التوابل لصالحهم، وأن الرحلة دشنت مرحلة جديدة من التجارة البحرية المباشرة بين أوروبا وآسيا.

قناة السويس تختصر الجغرافيا

بعد أكثر من ثلاثة قرون، أعادت قناة السويس رسم المعادلة، وافتتحت للملاحة في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1869، لتربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر وتوفر طريقاً أقصر بين أوروبا وآسيا مقارنة بالمسار حول أفريقيا.

وتؤكد هيئة قناة السويس أن القناة تمثل أقصر طريق بحري بين الشرق والغرب مقارنة برأس الرجاء الصالح، وشهدت منذ افتتاحها أعمال تطوير وتوسعة لمواكبة نمو أحجام السفن وحركة الملاحة.

الإيرادات ترتفع 23%.. كيف استعادت قناة السويس زخمها؟ - موقع 24بعد 11 عاماً من افتتاح قناة السويس الجديدة، تكشف أحدث البيانات أن أعداد السفن التي تمر من خلالها ليست المحرك الوحيد في نمو الممر الملاحي المصري، وأن الحمولات والإيرادات تتحركان بوتيرة أسرع، بالتزامن مع عودة سفن كبيرة الحجم، وتقديم خدمات ملاحية دولية.

بنما تفتح محور الأطلسي ـ الهادئ

وفي 15 أغسطس (آب) 1914، دخلت قناة بنما الخدمة رسمياً، لتضيف محوراً هندسياً جديداً إلى خريطة الملاحة العالمية، وتختصر على السفن التي تربط سواحل الأطلسي والهادئ مسافات كانت تتطلب الدوران حول أمريكا الجنوبية.

وتوضح هيئة قناة بنما أن القناة، البالغ طولها نحو 80 كيلومتراً، أحدثت تحولاً في حركة التجارة البحرية من خلال تقليص المسافات والوقت وتكاليف النقل.

الطاقة تعيد تعريف المضائق

لم تعد بعض الممرات البحرية مجرد طرق للتجارة العامة؛ فصعود النفط والغاز منح مضائق مثل هرمز وملقا وزناً استراتيجياً جديداً. ويبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أهم اختناقات نقل النفط عالمياً، إذ بلغ متوسط تدفقات النفط عبره 20.9 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، أي نحو 20% من استهلاك السوائل البترولية عالمياً، فيما اتجه 89% من النفط الخام والمكثفات العابرة للمضيق إلى الأسواق الآسيوية، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA).

ماذا تعني عودة "ميرسك" وشركات أخرى إلى قناة السويس؟ - موقع 24بدأت شركات شحن عالمية بإعادة مسار بعض خطوطها إلى قناة السويس، لكن بخطوات حذرة لا ترقى حتى الآن إلى عودة كاملة، بعد 3 سنوات على هجرة هذا الشريان التجاري الحيوي على وقع الاضطرابات من حرب غزة إلى جبهة اليمن، وفي الأثناء، يتواصل الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح، تحسباً لأي تغير جديد في الأوضاع ...

هل تعود الطرق البديلة؟

وهكذا، تكشف تحولات الملاحة عبر التاريخ أن الطرق الأقصر ليست دائماً الأكثر استدامة أمام تغيرات العالم. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تعود الطرق البديلة لتفرض حضورها من جديد على خريطة التجارة العالمية؟