عقب 3 عقود من الانخفاض التاريخي لمعدلات الفائدة في اليابان، تعيش الأسواق المالية العالمية لحظة تحول فارقة، فالأموال الضخمة التي ظلت لعقود تغادر البنوك اليابانية بحثاً عن عوائد مجدية في أمريكا وأوروبا، لن تغادر طوكيو مجدداً، في مشهد يعيد تشكيل حركة تدفقات رؤوس الأموال عبر القارات.
نقطة التحول وقفزة الـ 3%
وبدأ التحول الكبير حين اخترق عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات حاجز الـ 3% لأول مرة منذ عام 1996، وهذا الرقم، الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد نسبة مئوية مجردة، يمثل في واقع الأمر زلزالاً هادئاً تحت أقدام المستثمرين.
فلم تعد السوق اليابانية بيئة طاردة للسيولة، بل أضحت تجذب صناديق كبرى، بدأت ترى في أدوات الدين المحلية بديلاً آمناً ومربحاً في آن واحد.
وتكشف البيانات الرسمية عن أسباب هذا التحول، إذ أقدم المستثمرون اليابانيون خلال الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام على بيع نحو 18.7 مليار دولار من ديونهم الأجنبية.
وفي حين لا يعني هذا إسراع طوكيو للتخلي المفاجئ عن مخزونها الضخم في الخارج والبالغ 2.4 تريليون دولار، إلا أنه يؤشر بوضوح إلى بدء عملية انسحاب تدريجي ومحسوب.
تراجع الطلب الياباني
ولا تتوقف تداعيات هذا التحول عند الحدود اليابانية، فالطبيعة التاريخية للمستثمر الياباني كمشترٍ رئيسي وداعم أساسي لسوق سندات الخزانة الأمريكية والديون السيادية الأسترالية والأوروبية جعلت من كل حركة الين الياباني حدثاً مراقباً بعناية في صالات التداول من نيويورك إلى لندن.
وفي المراكز المالية الرئيسية، بدأ المتعاملون يلمسون تراجعاً ملموساً في حجم الطلب الياباني، إذ تؤكد استطلاعات حديثة أجريت على صناديق التقاعد التابعة للشركات اليابانية أن النسبة المئوية للصناديق التي تخطط لزيادة حيازاتها من السندات المحلية سجلت أعلى مستوياتها منذ عام 2008.
ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى ارتفاع تكاليف التحوط من تقلبات العملة الأجنبية، مما جعل الفجوة بين العوائد الخارجية والمحلية تضيق بسرعة غير مسبوقة.
ولم يكن هذا التحول ليحدث لولا تضافر عاملين أساسيين، أولهما التوجهات النقدية والمالية، حيث تصاعدت التوقعات بنهج أكثر تشدداً من بنك اليابان المركزي لضبط مستويات الين، تزامناً مع توجهات حكومية نحو التوسع في الإنفاق المالي، مما زاد الضغوط الصعودية على العوائد المحلية.
أما التوجه الثاني فيتعلق بتضييق الفجوة الهيكلية، حيث تقلص الفارق بين عوائد سندات الخزانة الأمريكية والسندات اليابانية بأكثر من 100 نقطة أساس خلال العامين الماضيين، مما أضعف الحافز الاستثماري لمطاردة العوائد في الخارج وسط مخاطر عملة مرتفعة.
وقال الخبير الاستراتيجي للدخل الثابت في شركة ستيت ستريت لإدارة الاستثمار في طوكيو، ماساهيكو لو: "القضية ليست إعادة رؤوس الأموال على نطاق واسع، بل توقف اليابان التدريجي عن كونها المشتري الهامشي للسندات الأجنبية. إن تراجع الطلب الإضافي من أحد أكبر مدخرات العالم يساهم في دفع علاوة المخاطر إلى الارتفاع عالمياً".
فيما قال الخبير الاستراتيجي في بنك ميزوهو بلندن، ماسايوكي ناكاغيما، في مذكرة: "مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية اليابانية، تتحسن الجاذبية النسبية للسندات المحلية على أساس التحوط من مخاطر العملة، مما قد يشجع على التحول من الأصول الأجنبية إلى الدخل الثابت الياباني".