شهد التسويق عبر مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً مع صعود ما يعرف بالمؤثرين العكسيين (Anti-influencers)، الذين يعتمدون على انتقاد المنتجات والتحذير من شرائها بدلاً من الترويج لها، في اتجاه قد يفرض تحديات جديدة على العلامات التجارية، ويؤثر في قرارات المستهلكين.

ويأتي صعود "إلغاء التأثير" (De-influencing) مع انتشار محتوى يعتمد على انتقاد المنتجات، والتحذير من شرائها بدلاً من الترويج لها، بحسب موقع "فوغ بزنس" (Vogue Business) إذ أشار في تقرير نشره في 1 سبتمبر (أيلول) 2026 إلى تنامي هذا الاتجاه، بالتوازي مع صعود مؤثرين يقدمون محتوى أكثر استقلالية وأقل اعتماداً على الترويج المباشر.

الثقة تتحول إلى قيمة تجارية

وأظهرت دراسة أجراها باحثون وأكاديميون في مجال التسويق بعنوان "دعني أزيل تأثيرك: آثار محتوى إلغاء التأثير"، شملت 1,456 مشاركاً عبر تجربة تمهيدية، أن محتوى إلغاء التأثير يمكن أن يعزز ثقة الجمهور بالمؤثر من خلال تقليل الشكوك حول دوافعه، ما قد يزيد فاعلية توصياته اللاحقة للمنتجات.

ويرى عماد علي، مسؤول تخطيط وإدارة مشاريع وتسويق، أن هذه النتيجة تعكس تحولاً في قيمة المؤثر داخل السوق، إذ تصبح المصداقية نفسها جزءاً من القيمة التجارية التي تبحث عنها العلامات التجارية.

ويقول علي إن انتقاد المؤثر لمنتج ما قد يجعله أكثر استقلالية في نظر الجمهور، لكن هذه الثقة يمكن أن تتضرر إذا بدا لاحقاً أن مواقفه النقدية مرتبطة بالمصلحة التجارية.

فالمستهلك أصبح أكثر قدرة على التمييز بين المحتوى الإعلاني والمحتوى الذي يراه مستقلاً. وعندما ينتقد المؤثر منتجاً، قد تزداد مصداقيته، وبالتالي تصبح توصياته اللاحقة أكثر تأثيراً. لذلك تتحول الثقة من أداة تسويقية إلى أصل تجاري يجب على العلامة التجارية الحفاظ عليه، وفق عماد علي.

وأظهرت دراسة "بزوغ إلغاء التأثير كوسيلة للمسؤولية الأخلاقية والاستهلاك المضاد"، التي اعتمدت على 15 مقابلة معمقة مع مستخدمي "تيك توك"، أن المشاركين ربطوا الظاهرة بالأصالة والمسؤولية الأخلاقية، ورأوا فيها وسيلة لاتخاذ قرارات شراء أكثر وعياً وتشجيع الاستهلاك الأقل.

ويعتبر علي، أن هذه الملاحظات تحمل قيمة عملية للشركات، خصوصاً عندما تتكرر الانتقادات حول السعر أو الجودة أو تجربة الاستخدام. فبدلاً من التعامل معها باعتبارها مجرد محتوى سلبي، يمكن تحليلها لمعرفة المشكلات المتكررة وتحويلها إلى مدخل لتطوير المنتج والتسويق.

فإذا تكرر النقد حول النقطة نفسها، فهذه معلومة سوقية وليست مجرد تعليق سلبي. المطلوب هو تصنيف هذه الملاحظات وقياس تكرارها وربطها بفرق تطوير المنتجات والتسويق وخدمة العملاء، ثم معرفة ما إذا كانت تؤثر فعلاً في نية الشراء أو تدفع المستهلك إلى علامة منافسة"، بحسب علي.

المراجعة السلبية لا تعني خسارة فوري

واختبرت دراسة "لا تشترِه! مراجعات المؤثرين السلبية للمنتجات وتأثيرها على الشباب"، تأثير المراجعات السلبية في صورة العلامة التجارية ونية الشراء. ووجدت أن المراجعة السلبية كانت أكثر فائدة للمشاركين من المراجعة الإيجابية، كما اعتُبر المؤثر الذي يقدم المراجعة السلبية أكثر موثوقية، لكن الدراسة لم تجد فروقاً ذات دلالة إحصائية في صورة العلامة التجارية أو نية الشراء بعد التعرض لمراجعة واحدة.

وتشير هذه النتيجة إلى أن المحتوى السلبي لا يعني تلقائياً انخفاض المبيعات، وهو ما يراه عماد علي، نقطة أساسية عند تقييم المخاطر التجارية المرتبطة بالمؤثرين العكسيين.

ويقول إن الشركات تحتاج إلى الانتقال من قياس المشاهدات والإعجابات إلى مؤشرات ترتبط بالسلوك الفعلي، مثل تغير نية الشراء، وانتقال المستهلك إلى علامة منافسة، ومستوى الثقة بالعلامة التجارية.

المعيار الحقيقي ليس عدد الأشخاص الذين شاهدوا المحتوى، برأيه، وإنما ما الذي تغير بعد المشاهدة. إذا تغيرت نية الشراء أو انتقل المستهلك إلى منتج منافس، فهنا يصبح التأثير قابلاً للقياس اقتصادياً.

وبالنسبة للعلامات التجارية، يرى علي أن التعامل مع الظاهرة لا يبدأ بمواجهة المحتوى السلبي بإعلانات مضادة، بل بفهم مصدر النقد ومعالجة المشكلات إذا كانت مرتبطة بالمنتج أو السعر أو تجربة العميل.