أعادت المواجهة العسكرية التي اندلعت بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، رسم خارطة تدفقات الطاقة العالمية، واضعة المنظومات اللوجستية للبنية التحتية النفطية في منطقة الخليج والشرق الأوسط أمام اختبار وجودي غير مسبوق في تاريخ الصناعة النفطية الحديثة.
وفي الوقت الذي تسببت فيه الحرب في صدمات حادة وسريعة لسلاسل الإمداد وممرات الملاحة الإقليمية نتيجة القصف المتبادل وفرض الحصار البحري المشدد، كشفت أحدث البيانات الصادرة عن شركة "تانكر تراكرز" المتخصصة في تتبع شحنات النفط الخام، عن تباين عميق في مستويات المرونة الهندسية واللوجستية ة بين كبار منتجي النفط في الشرق الأوسط.
استقرار حركة التصدير
وبينما تهاوت إمدادات كبار المنتجين تحت وطأة الاستهداف العسكري والحصار الاقتصادي الشامل، أظهرت دولة الإمارات العربية المتحدة استقراراً كاملاً في حركة التصدير.
"فاينانشال تايمز": أدنوك تسرّع وتيرة التطور في سباق المنافسة العالمية - موقع 24تواصل شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" تسريع توسعها داخل دولة الإمارات وخارجها، في مسار يستهدف استكمال تحولها إلى شركة طاقة كبرى قادرة على المنافسة عالمياً، وفق تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.
ولم تسجل الشحنات الإماراتية أي تراجع يُذكر، حيث اقتصر الانخفاض على نسبة ضئيلة جداً بلغت 0.02% فقط، مما يعني عملياً نجاح أبوظبي شحن كامل حجم إنتاجها التعاقدي المستهدف إلى الأسواق العالمية دون انقطاع، رغم مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب.
فجوة هيكلية في إدارة مخاطر انقطاع الإمدادات
ويبرز هذا التباين الحاد أبعاد الفجوة الهيكلية في إدارة مخاطر انقطاع الإمدادات، والقدرة على حماية الموارد المالية السيادية في أوقات الأزمات؛ إذ وضعت التطورات الأخيرة تدفقات الطاقة الإماراتية في كفة مغايرة تماماً لجيرانها الإقليميين.
وتأتي إيران في مقدمة الدول التي عانت انكشافاً كاملاً، حيث تلاشت شحناتها النفطية بنسبة 100% جراء الخروج القسري لمنصات التصدير والمصبات الرئيسية عن الخدمة بسبب التبعات المباشرة للمواجهة العسكرية والضغوط الاقتصادية المرافقة لها.
الإمارات توظف البنية اللوجستية لتعزيز دورها مركزاً لإعادة التصدير - موقع 24يستعد ميناء خورفكان لاستقبال أكثر من 6 آلاف سيارة تعمل بالطاقة الجديدة من إنتاج "بي واي دي"، قادمة من ميناء شياوموه للوجستيات الدولية في مدينة شنتشن الصينية، مع افتتاح خط بحري مباشر يقلص زمن النقل بين الصين والإمارات 3 إلى 5 أيام، وفق وكالة أنباء الإمارات "وام".
وعلى النقيض من الصمود الإماراتي، كشفت الأزمة عن الانكشاف اللوجستي الذي واجهته مسارات التصدير التقليدية في المنطقة نتيجة تركز حركة الشحن عبر المضائق البحرية الحرجّة؛ إذ أدت المناوشات العسكرية المباشرة وتصاعد التوترات الأمنية في الممرات المائية الحيوية إلى تراجع متفاوت في تدفقات النفط الإقليمية وصلت في بعض جوانبها إلى فقدان ما يقرب من نصف القدرة التصديرية لبعض المسارات، متأثرةً بشلل الحركة عبر موانئ رئيسية مطلة على مناطق النزاع.
كما واجهت النظم اللوجستية التي تعتمد كلياً على مياه الخليج أو تعاني من توقف خطوط أنابيبها البرية تحديات مضاعفة، مما قيد مرونتها في التصدير وأجبر الناقلات الدولية على التعامل مع بيئة ملاحية معقدة وخطرة رفعت من كلفة مخاطر الحرب، وهو ما يبرز الفارق بين النظم التصديرية الحبيسة جغرافياً وتلك التي تمتلك منافذ مفتوحة على البحار العالمية.
استراتيجية بعيدة المدى
إن الحفاظ على تدفق الشحنات النفطية الإماراتية بمعدل فاق 99% وسط أجواء الحرب لا يعود إلى الصدفة الجغرافية، بل هو نتاج استراتيجية بعيدة المدى قامت على مبدأ تحييد الممرات الجغرافية الخطرة وتشييد بنية تحتية عابرة للأزمات.
وتبرز في هذا الصدد عبقرية الهندسة الجيوسياسية للإمارات من خلال تشغيل خط أنابيب نفط أبوظبي "حبشان - الفجيرة"، الممتد من حقول الإنتاج في العمق الإماراتي مباشرة إلى ميناء الفجيرة على الساحل الشرقي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي.
باستثمارات 550.8 مليار درهم.. الإمارات ترسخ مكانتها في خريطة الطاقة الجديدة - موقع 24دخلت دولة الإمارات مرحلة حاسمة في مسارها الاقتصادي، حيث يعاد تعريف قطاع الطاقة ليتحول من مصدر تمويل للميزانية إلى أداة جيو-اقتصادية فاعلة.
ونجح هذا الخط الاستراتيجي في توفير ممر آمن لنحو مليون ونصف المليون برميل يومياً، متجاوزاً بالكامل مضيق هرمز الذي تحول إلى ساحة عمليات عسكرية مباشرة ومناوشات مستمرة.
ولم تقتصر الفائدة على تجنب المخاطر العسكرية فحسب، بل سمح هذا الممر البحري المفتوح لشركات التأمين الدولية بالاستمرار في تغطية الناقلات المتجهة للفجيرة بأسعار معقولة، مقارنة بالقفزات الجنونية في أقساط مخاطر الحرب التي فرضت على السفن التي تتوغل داخل مياه الخليج العربي المقيدة والمستهدفة.
تفوق تشغيلي لأدنوك
وتكاملت هذه البنية التحتية الصلبة مع تفوق تشغيلي واضح لشركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" عبر ذراعها للشحن واللوجستيات، حيث أظهرت الشركة مرونة فائقة في إعادة توجيه مسارات الناقلات بكفاءة واحترافية عالية، مستغلة منشآت التخزين العملاقة في الفجيرة لتجميع الخام وضخه للأسواق العالمية دون توقف ليوم واحد.
ويزداد هذا الإنجاز اللوجستي أهمية بالنظر إلى التموضع الاستراتيجي الجديد لأبوظبي؛ فقد تزامنت هذه الحرب مع خروج الإمارات من مظلة القيود التابعة لـ "أوبك+"، الأمر الذي منحها مرونة تشغيلية واستقلالية كاملة في إدارة مستويات إنتاجها بعيداً عن نظام المحاصصة الإلزامية.
وسمح الخروج الاستراتيجي للإمارات من "أوبك" الاستفادة القصوى من طاقتها الإنتاجية الفائضة وسرعة تلبية الطلب الآسيوي المتزايد لتعويض النقص الحاد الذي خلّفه تراجع المنتجين الآخرين في خضم الأزمة المستعرة.
وتتطابق هذه المعطيات الرقمية والواقعية مع التقارير والتحليلات الصادرة عن كبريات المؤسسات المالية والنفطية الدولية؛ إذ أكدت وكالة الطاقة الدولية في قراءتها للمشهد أن أمن الطاقة العالمي في مرحلة ما بعد الحرب بات يعتمد بشكل محوري على "اللاعبين النفطيين المستقلين والمحميين لوجستياً"، مشيرة إلى أن تحرر البنية التحتية الإماراتية وقدرتها اللوجستية المنفردة وفرا صمام أمان حقيقي كبح قفزات أسعار خام برنت، ممتصاً الصدمة الناجمة عن التصفير الكامل للصادرات الإيرانية والتراجع السعودي الكبير.
خطوات عززت متانة اقتصاد الدولة
وفي سياق متصل، يرى خبراء صندوق النقد الدولي أن خطوة الخروج من التكتلات النفطية، بالتوازي مع نجاح الممرات التصديرية البديلة للإمارات، عززت من متانة اقتصادها الكلي ونمو ناتجها المحلي الإجمالي، في وقت تعاني فيه ميزانيات دول من عجز حاد نتيجة تراجع الإيرادات النفطية المقترن بهبوط كميات التصدير القسري.
وبدورهم، بات المستهلكون الكبار في آسيا، مثل الصين والهند واليابان، ينظرون إلى الإمارات باعتبارها الشريك والعميل الأكثر موثوقية واستدامة في المنطقة، كون عقود التوريد معها أصبحت محصنة بالكامل جغرافياً ضد الصواريخ وباب المندب ومضيق هرمز، وسياسياً ضد اتفاقيات الخفض الجماعي.
وفي الختام، أثبتت أزمة الأشهر الستة الماضية من المواجهة العسكرية أن امتلاك الاحتياطات النفطية الضخمة في باطن الأرض لم يعد وحده كافياً لضمان النفوذ الاقتصادي واستقرار الدولة، بل إن القدرة الهندسية واللوجستية على إيصال هذا النفط إلى الأسواق العالمية تحت دوي المدافع، بالتوازي مع مرونة القرار السياسي والاقتصادي المستقل، هما الفيصل الحقيقي في معادلة الطاقة الحديثة.
لقد نجحت دولة الإمارات في تحويل استثماراتها الرأسمالية طويلة الأجل في الموانئ المفتوحة وشبكات الأنابيب إلى أصل جيوسياسي واقتصادي ثمين للغاية، ليرسخ هذا الصمود الكامل في صادراتها مكانة أبوظبي كعاصمة للموثوقية النفطية في الشرق الأوسط خارج الأطر التقليدية للتحالفات الجماعّية.