تتغير خريطة التجارة العالمية أمام أعين الشركات، ففي عام واحد فقط هبطت واردات الولايات المتحدة من الصين 29%، وتراجعت حصة بكين من السوق الأمريكية من 13.8% إلى 9.3%، بينما اتجهت الولايات المتحدة إلى زيادة وارداتها من اقتصادات آسيوية أخرى، بينها الهند وفيتنام وتايلاند وإندونيسيا، وفق تقرير "آفاق وإحصاءات التجارة العالمية"، الصادر عن منظمة التجارة العالمية في مارس (آذار) 2026.
لكن التحول لا يقاس فقط بحركة الحاويات بين الموانئ. بحسب سعيد محمد خبير اقتصاد، فالتقرير يظهر أنه منذ 2018 وحتى 2024، نمت التجارة بين الولايات المتحدة والصين بوتيرة أبطأ بنحو 30% من تجارة كل منهما مع بقية العالم، فيما أظهرت بيانات 2025 تسارعاً جديداً في تآكل الروابط التجارية المباشرة بين أكبر اقتصادين في العالم.
وامتد الانقسام إلى مساحة أوسع، إذ نمت التجارة بين الكتل الجيوسياسية المتباعدة بوتيرة أبطأ بنحو 4% من التجارة داخل الكتل المتقاربة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وفق تصنيف أعدته منظمة التجارة العالمية، استناداً إلى أنماط التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إعادة تسعير للمخاطر الجيوسياسية
ويرى سعيد محمد، أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة "إعادة تسعير للمخاطر الجيوسياسية"، لم تعد فيها الرسوم والعقوبات والقيود التكنولوجية عوامل طارئة، بل مكونات ثابتة في قرار الشراء والاستثمار. وبذلك لم يعد السؤال مقتصراً على هوية المورد الأرخص، بل انتقل إلى قدرته على تسليم المنتج، عندما تتوتر العلاقات، أو تُفرض قيود مفاجئة على التجارة.
من سعر السلعة إلى الكلفة المعدّلة بالمخاطر
وتعرضت 22% من الشركات الأوروبية المستوردة من خارج الاتحاد الأوروبي لاضطرابات لوجستية، مقابل 14% من الشركات التي تستورد من داخله، وفق دراسة لبنك الاستثمار الأوروبي شملت نحو 850 مستورداً أوروبياً. كما وضعت 75% من الشركات الجودة والمعايير ضمن أهم شروط اختيار الموردين، مقابل 67% للسعر.
وتكشف هذه النتائج، بحسب سعيد محمد، أن سعر الفاتورة لم يعد يعكس الكلفة الاقتصادية الحقيقية للتوريد. فإلى جانب ثمن المنتج، تحسب الشركات الرسوم والنقل والتأمين وزمن التسليم والمخزون المطلوب، فضلاً عن الخسارة المحتملة، إذا تسبب انقطاع مكون واحد في توقف الإنتاج.
ويعرف ذلك في إدارة المشتريات بـ"الكلفة الكلية"، لكن التوترات أضافت إليها "الكلفة المعدّلة بالمخاطر"، التي تحتسب احتمالات العقوبات والقيود التجارية وتعطل الشحن. وقد يصبح المورد الأرخص عملياً الأعلى كلفة، بينما يمثل الفارق المدفوع لمورد أكثر استقراراً "علاوة مرونة" تحمي الشركة من خسائر الانقطاع.
المخاطر تعيد هندسة سلاسل الإمداد
ولم تتجه الشركات اليابانية إلى انسحاب شامل من الصين، بل نوّعت وارداتها، وأنشأت قدرات إضافية في جنوب شرق آسيا، وفق دراسة لمعهد أبحاث الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، استندت إلى بيانات شركات متعددة الجنسيات بين 2009 و2022. ووجدت أن ارتفاع التعرض للمخاطر الجيوسياسية بمقدار انحراف معياري واحد زاد احتمال تنويع الواردات بين 0.96 و1.39 نقطة مئوية، بما يعادل 37 إلى 53% من متوسط احتمال التنويع.
وبحسب سعيد محمد، تكشف النتائج أن الشركات لا تفكك العولمة، بل تعيد هندستها عبر شبكة متعددة المراكز تحتفظ بالمورد الأساسي، وتضيف مورداً احتياطياً. وتجسد استراتيجية "الصين زائد واحد" ذلك، إذ تبقي الشركات عملياتها الصينية وتنشئ خطاً موازياً في فيتنام أو تايلاند أو إندونيسيا لتقليل مخاطر الاعتماد على دولة واحدة.
ولا يعني نمو الواردات الأمريكية من دول آسيوية خروج الصين من السلسلة، إذ تزامن ارتفاع صادرات هذه الدول إلى الولايات المتحدة مع زيادة وارداتها الصينية، وفق منظمة التجارة العالمية. ويرى محمد أن بلد التصنيع قد يتغير، بينما يظل المنشأ الاقتصادي للمكونات صينياً.
الشركات تدفع مقابل الأمان
وأفادت 82% من الشركات المشاركة في مسح ماكينزي لعام 2025 بأن الرسوم أثرت في سلاسل إمدادها، فيما سجلت 39% ارتفاعاً في كلفة الموردين والمواد. وزادت 45% مخزوناتها، واتجهت 39% إلى التوريد المزدوج، بينما خططت 33% لتقريب الموردين أو إعادة الإنتاج محلياً. وفي المتوسط، قررت الشركات تمرير 45% فقط من كلفة الرسوم إلى العملاء.

وتعني هذه التحركات، بحسب سعيد محمد، أن الشركات تدفع سعراً أعلى مقابل أمن الإمدادات، لكن الكلفة تتوزع بين المخزون والتمويل والتأمين والتدقيق وإنشاء خطوط موازية، فلا تظهر كاملة في سعر المنتج.
لكن كلفة الانقطاع قد تكون أكبر، فقد قدر البنك المركزي الأوروبي أن انخفاضاً مفاجئاً بنسبة 50% في إمدادات المدخلات الأجنبية الحرجة الآتية من دول الكتلة الشرقية قد يخفض القيمة المضافة للصناعات التحويلية بين 2 و3%.
ويرى محمد أن المقارنة الحقيقية ليست بين مورد رخيص وآخر غالٍ، بل بين كلفة الوقاية وكلفة الانقطاع. فالمورد البديل يحتاج إلى طاقة إنتاجية وبنية لوجستية وعمالة ماهرة واستقرار تنظيمي، ولذلك لا يلغى معيار السعر، بل يعاد تعريفه باعتباره الكلفة التي تضمن وصول المدخلات واستمرار الإنتاج تحت أكثر من سيناريو سياسي وتجاري.