في عصر أصبحت فيه البيانات سلاحاً مزدوجاً، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة استباقية لمكافحة الإرهاب، عبر التنبؤ بالمخاطر، ورصد الأنشطة المتطرفة، ومواجهة المحتوى المتطرف، ونشر الروايات المناهضة للتطرف، ودعم الاستجابات السريعة، فيما يمكن وصفه بـ"العمليات الخمس" لتطبيقاته الأمنية.

وتُعيد التقنيات الناشئة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني والطائرات المسيرة، تشكيل المشهد العالمي لمكافحة الإرهاب. وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور ديفيد شاريا، المدير ورئيس الفرع في المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أن دولة الإمارات تقدم أنموذجاً عالمياً ملهماً في كيفية تسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي في مواجهة التهديدات الإرهابية الحديثة.

وأوضح الدكتور شاريا في مقابلة خاصة مع 24 على هامش "منتدى هيلي 2026"، الذي اختتمت فعالياته اليوم الثلاثاء بأبوظبي أن التطور التقني المتسارع يحمل في طياته فرصاً حاسمة لمكافحة الإرهاب، ولكنه يفرض في الوقت ذاته مخاطر نمو قدرات الجماعات الإرهابية على استغلال التكنولوجيا ذاتها.

لكن، التجارب التاريخية تُظهر أن الجماعات الإرهابية لم تكن في الغالب صاحبة ابتكار تكنولوجي، بقدر ما برعت في إعادة توظيف التقنيات المتاحة تجارياً لخدمة أهدافها بطرق غير تقليدية، بدءاً من هجمات 11 سبتمبر، مروراً بمنصات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى الطائرات المسيّرة والاتصالات المشفرة.

وفي الوقت الذي تسعى فيه التنظيمات المتطرفة لتوظيف الفضاء السيبراني والطائرات المسيرة لتجاوز الحدود التقليدية وتنفيذ هجمات أكثر تعقيداً، ويساهم انخفاض تكلفتها وسهولة الحصول عليها عبر الأسواق التجارية في ذلك، تتجه القوى الأمنية والدولية نحو بناء جدار حماية سيبراني قائم على الخوارزميات الذكية، لردع التهديدات الرقمية وتحييد خطرها قبل وقوعها.  

وفي هذا الصدد استشهد شاريا عبر 24 بالريادة الإماراتية، مشيراً إلى أن الدولة لم تقتصر على بناء المكتسبات التقنية الداخلية، بل امتدت لتشكل حائط صد دولي ونقطة تحول في السياسات العالمية لمكافحة الإرهاب الرقمي والميداني، لافتاً إلى أن دولة الإمارات كانت من أوائل الدول التي واجهت هذا النوع من التهديدات في المنطقة.

وصاغ شاريا محطات هذه الريادة الإماراتية عبر محورين أساسيين، هما التوظيف الذكي للتكنولوجيا، وإرساء المبادئ الملزمة دولياً. ويتجسد هذا في وثيقة "مبادئ أبوظبي التوجيهية" الأولى من نوعها في الأمم المتحدة لمواجهة التحديات المتزايدة التي تفرضها أنظمة الطائرات بدون طيار في سياق مكافحة الإرهاب، والمكونة من 4 مبادئ توجيهية، تركز على دمج تهديدات الطائرات بدون طيار في الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الإرهاب، وإنشاء الأطر القانونية الخاصة، ورفع الوعي بتهديداتها، ووضع تدابير للكشف عنها وتحديدها وردعها والرد عليها، وتنمية القدرات، وتبادل المعلومات، من أجل تعزيز التعاون الدولي.

السبق الحكومي والدمج الاستراتيجي للذكاء الاصطناعي

وأكد شاريا لـ24 أن الإمارات تمكنت من تدشين بنية تحتية تقنية وفكرية صلبة، مستشهداً بالرؤية الاستباقية للقيادة الإماراتية، إذ تُعد من أوائل دول العالم، إن لم تكن الأولى، التي خصصت وزيراً كاملاً للذكاء الاصطناعي، وأنشأت جامعة متخصصة في هذا المجال الحيوي. وأشار إلى أن هذا النهج جعل دمج التقنيات الذكية في كافة القطاعات الحكومية، لا سيما عمليات مكافحة الإرهاب، أولولية وطنية قصوى تُسهم في تمكين متخذي القرار من اتخاذ خطوات أكثر عقلانية ودقة في تحديد الأهداف.

التوازن الدقيق بين الآلة والنهج الإنساني

وفي بُعد استراتيجي لافت، أشاد شاريا عبر 24 بتمسك الإمارات بوجود "العنصر البشري في منظومة صنع القرار"، مشيراً إلى أنه رغم التقدم المذهل في الأنظمة الذكية، حرصت الدولة على أن تبقى قرارات الحسم والنهائية بيد الكوادر البشرية وليست الآلات. هذا التوازن الدقيق يقدم للعالم أنموذجاً ينبغي احتذاؤه عند معالجة تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنظومات الأمنية.

مسؤول أممي: "مبادئ أبوظبي" معيار عالمي لمكافحة إرهاب المسيّرات - موقع 24أكد الدكتور ديفيد شاريا، مدير ورئيس فرع في المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن الدولي، أن الإمارات قادت جهداً دولياً داخل مجلس الأمن لمكافحة استخدام التنظيمات الإرهابية للمسيّرات. 

 نقل الخبرة وإلهام المجتمع الدولي

واختتم شاريا تصريحاته لـ24 بالإشارة إلى أن النجاح الإماراتي يكمن في مبدأ السخاء المعرفي، فالإمارات حينما واجهت التهديدات لم تحتفظ بخبرتها لنفسها، بل بادرت بمشاركتها مع دول العالم لتعزيز المنظومة الأمنية الدولية. وبناءً على ذلك، تواصل لجنة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة توصية مختلف الدول باتباع نموذج "مبادئ أبوظبي" كأداة قوية وفعالة لصون الاستقرار العالمي.

يُذكر أن شاريا سلط الضوء خلال عرض تقديمي بمنتدى هيلي 2026 بعنوان "مكافحة الإرهاب: اتجاهات جديدة ترسم أمن العقد المقبل" على الأصول الافتراضية والعملات المشفرة كونها من أبرز مجالات تمويل الإرهاب، إذ تشير أبحاث إلى أن أكثر من 70 دولة لا تملك الجاهزية الكافية لمواجهة هذا التحدي أو تنظيم أسواقه بشكل مناسب، فيما يثير الجمع بين الأصول الافتراضية وأساليب التمويل التقليدية مخاوف جديدة.