بعد 25 عاماً على هجمات 11 سبتمبر (آيلول) 2001، تبرز التداعيات الاقتصادية والمالية للمرحلة التي تلتها باعتبارها أحد أبرز التحولات في أولويات الإنفاق الحكومي الأمريكي. فبينما ارتفع الإنفاق الدفاعي بصورة كبيرة على مدى ربع قرن، تضاعفت أعباء الدين العام، واستمر العجز المالي، في وقت تعرض فيه الإنفاق الدبلوماسي والمساعدات الخارجية لضغوط متزايدة.

تطرح هذه التطورات، وفق تحليل نشرته "فايننشال تايمز"، تساؤلات حول مدى التوازن بين الموارد التي تخصصها أمريكا لأدواتها العسكرية وتلك الموجهة إلى أدواتها الدبلوماسية والتنموية، خصوصاً مع ارتفاع كلفة خدمة الدين وتزايد الضغوط على المالية العامة.

الإنفاق الدفاعي يتوسع

كان هجوم 11 سبتمبر (آيلول) نقطة تحول في أولويات الإنفاق الفيدرالي الأمريكي، إذ أدى إطلاق "الحرب على الإرهاب" إلى زيادة طويلة الأمد في الإنفاق المرتبط بالدفاع والعمليات العسكرية والأمن القومي.

وبحسب التحليل، كانت أمريكا عام 2001 تنفق أكثر من 13 دولاراً على وزارة الدفاع، مقابل كل دولار مخصص لوزارة الخارجية والمساعدات الخارجية. ومع مرور السنوات، اتسعت الفجوة بين الإنفاق الدفاعي والإنفاق الموجه إلى الأدوات الدبلوماسية والتنموية.

وتشير تقديرات حديثة أوردها التحليل إلى أن طلب الإنفاق الدفاعي اقترب من 1.5 تريليون دولار، بينما تتضمن المقترحات خفضاً كبيراً في موازنات وزارة الخارجية والمساعدات الخارجية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الزيادة في الإنفاق الدفاعي هي العامل الوحيد وراء التغير في الوضع المالي الأمريكي، إذ شهدت أمريكا خلال الفترة نفسها أزمات اقتصادية ومالية كبيرة، أبرزها الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا، إلى جانب ارتفاع الإنفاق المحلي وتغير الإيرادات الضريبية.

الدين العام

تزامن تصاعد الإنفاق الحكومي مع تحول طويل الأمد في مسار المالية العامة الأمريكية. فبعد تسجيل الحكومة الفيدرالية فوائض في الموازنة خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي، عادت الموازنة إلى تسجيل عجز سنوي منذ 2001.

وبمرور الوقت، تراكمت العجوزات لتدفع الدين العام الأمريكي إلى مستويات تاريخية. ويتجاوز إجمالي الدين العام حالياً 40 تريليون دولار، ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المالية العامة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد تكلفة خدمة الدين.

وتكمن أهمية هذه النقطة اقتصادياً في أن ارتفاع مدفوعات الفائدة يفرض ضغطاً إضافياً على الموازنة الفيدرالية، إذ تصبح حصة أكبر من الإيرادات الحكومية موجهة إلى خدمة الدين بدلاً من تمويل الإنفاق العام أو الاستثمارات الحكومية.

وبالتالي، فإن النقاش حول الإنفاق الدفاعي لا ينفصل عن نقاش أوسع يتعلق بقدرة الحكومة الأمريكية على ضبط العجز وإدارة الدين العام على المدى الطويل.

تكلفة مالية ممتدة 

يصعب فصل الزيادة في الإنفاق الدفاعي بعد 11 سبتمبر (آيلول)، عن التحولات التي طرأت على المالية العامة الأمريكية خلال الربع قرن الماضي. إذ أدت العمليات العسكرية الممتدة في الخارج إلى التزامات مالية استمرت سنوات طويلة، فيما استمر تمويلها بالتزامن مع توسع بنود إنفاق حكومي أخرى.

ومن منظور اقتصادي، لا تقتصر تكلفة العمليات العسكرية على المخصصات السنوية لوزارة الدفاع، بل تشمل أيضاً تكاليف الأفراد والمعدات والعمليات الخارجية، فضلاً عن الالتزامات طويلة الأجل المرتبطة برعاية المحاربين القدامى وخدماتهم.

ويجعل ذلك قياس التكلفة الاقتصادية الكاملة لفترة ما بعد 11 سبتمبر (آيلول) أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة موازنات الدفاع السنوية، إذ تمتد بعض الالتزامات المالية إلى سنوات أو عقود لاحقة.

الدبلوماسية والمساعدات 

في المقابل، يشير تحليل "فايننشال تايمز" إلى التراجع النسبي في الموارد المخصصة لوزارة الخارجية والمساعدات الخارجية مقارنة بالإنفاق الدفاعي.

وتكتسب هذه الفجوة أهمية اقتصادية، ليس فقط بسبب حجم الأموال المخصصة لكل قطاع، ولكن أيضاً بسبب طبيعة الإنفاق. فالإنفاق الدفاعي يمول قدرات عسكرية وأمنية مباشرة، بينما تمول المساعدات الخارجية وبرامج التنمية مجموعة واسعة من الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية التي تستخدمها أمريكا في الخارج.

وتشير المقارنة الواردة في التحليل إلى أن مقترحات خفض موازنات وزارة الخارجية والمساعدات الخارجية، بالتزامن مع زيادة الإنفاق الدفاعي، قد تؤدي إلى اتساع الفجوة بين نوعي الإنفاق بصورة كبيرة.

غير أن تقييم كفاءة هذا الإنفاق يتطلب النظر إلى العائد الاقتصادي والاستراتيجي لكل دولار يتم إنفاقه، وليس إلى حجم الموازنات وحده.

ربع قرن يعيد ترتيب الحسابات المالية

بعد 25 عاماً من 11 سبتمبر (آيلول)، تبدو الصورة الاقتصادية الأمريكية مختلفة جذرياً عن بداية القرن. إذ انتقلت أمريكا من تسجيل فوائض في الموازنة في أواخر التسعينيات إلى تراكم مستويات ضخمة من الدين العام، فيما ارتفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات قياسية.

في الوقت نفسه، أصبحت تكلفة خدمة الدين أحد القيود المتزايدة على السياسة المالية، ما يجعل القرارات المتعلقة بالإنفاق أكثر ارتباطاً بمسألة الاستدامة المالية.

ومن هذه الزاوية، لا تتمثل القضية الاقتصادية الأساسية في حجم الإنفاق الدفاعي وحده، بل في قدرة أمريكا على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن القومي والتزاماتها المالية طويلة الأجل، من دون أن يؤدي تمويل أولوية على حساب أخرى إلى زيادة الضغوط على الموازنة.