لا يدور الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي حول رُبع نقطة في أسعار الفائدة فقط، بل حول سؤال أعمق رافق المركزي الأمريكي لعقود: إلى أي مدى يستطيع اتخاذ قرار يخالف رغبة البيت الأبيض، عندما تفرض البيانات الاقتصادية ذلك؟.
ويعود السؤال بقوة هذا الأسبوع، مع استعداد "الفيدرالي" لاجتماع يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول)، وسط توقعات مرتفعة برفع الفائدة لمواجهة التضخم، في وقت يريد ترامب الاتجاه المعاكس، ويكرر أن الولايات المتحدة يجب أن تتمتع بـ"أدنى أسعار فائدة| في العالم.
من باول إلى وارش
المواجهة ليست جديدة. ففي 2017، اختار ترامب بنفسه جيروم باول لرئاسة "الفيدرالي"، لكن العلاقة سرعان ما توترت بعدما رفع البنك أسعار الفائدة 4 مرات خلال 2018. ومع احتدام الحرب التجارية مع الصين في العام التالي، كثف ترامب مطالباته بخفض الفائدة، ووصل به الأمر إلى التساؤل علناً عمن يمثل "العدو الأكبر" للولايات المتحدة: باول أم الرئيس الصيني شي جين بينغ.
وبحسب "رويترز" عادت المواجهة بصورة أشد ضراوة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2025. وطالب الرئيس بخفض الفائدة إلى 1%، فيما رفض باول الاستعجال مع استمرار مخاطر التضخم، خصوصاً في ظل الرسوم الجمركية الجديدة التي يمكن أن ترفع أسعار السلع المستوردة.
ولم تبق الضغوط عند حدود التصريحات، إذ شهدت الفترة الأخيرة تحقيقاً بشأن شهادة باول المرتبطة بتكاليف تجديد مقري "الفيدرالي". وحاول ترامب إقالة عضو مجلس المحافظين ليزا كوك، قبل إيقاف المحكمة العليا الإقالة، والسماح لها بالبقاء أثناء نظر القضية.
وارش أمام الاختبار نفسه
بانتهاء رئاسة باول اختار ترامب كيفن وارش، وسط توقعات بأن يكون أكثر ميلاً إلى خفض الفائدة. لكن وارش أكد أمام مجلس الشيوخ أنه لم يقدم تعهداً بذلك، وأن قراراته ستبقى مبنية على البيانات. ومنذ توليه المنصب في مايو (أيار)، أبقى "الفيدرالي" الفائدة ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75% في أول اجتماعين برئاسته.
الاختبار الحقيقي يأتي الآن، حيث استقر التضخم السنوي عند 3.4% في أغسطس (آب)، فيما قفزت توقعات الأسواق لرفع الفائدة بعد صدور البيانات. وحذر وارش في "جاكسون هول" من أن مسار الأسعار أصبح أكثر إثارة للقلق، ما يجعل التراجع عن التشدد أكثر صعوبة، دون تفسير اقتصادي مقنع.
وفي المقابل، يصعّد ترامب الضغط، إذ هدد أخيراً بوقف التجارة مع الدول التي تسجل الولايات المتحدة عجزاً معها، إذا لم تُخفض الفائدة، بعد أن دعا مسؤولي "الفيدرالي" إلى أن يكونوا "وطنيين"، وأن يتحركوا نحو أسعار أقل.
هل يستطيع ترامب فرض قراره؟
مؤسسياً، لا يحدد الرئيس الأمريكي سعر الفائدة. فالقرار تتخذه اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، بينما تتمثل أبرز سلطة للرئيس في تعيين أعضاء مجلس المحافظين عند وجود شواغر واختيار قياداته، على أن تخضع التعيينات للإجراءات الدستورية المعمول بها. ويتمتع أعضاء المجلس بحماية قانونية تحد من قدرة الرئيس على إقالتهم لمجرد الاختلاف حول السياسة النقدية.
لكن الاستقلال القانوني لا يعني غياب الضغط السياسي. فترامب يستطيع الانتقاد العلني، ومحاولة إعادة تشكيل المجلس عبر التعيينات، وممارسة ضغط سياسي واسع، بينما يبقى القرار النقدي نفسه في يد "الفيدرالي".