تواجه الاقتصادات العالمية تحدياً متزايداً مع توسع الشركات الصينية في الأسواق الخارجية، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج وسرعة طرح المنتجات واتساع سلاسل الإمداد، حيث تبرز قطاعات مثل الأزياء والتجارة الإلكترونية كأحد أبرز المجالات التي تتصاعد فيها المنافسة، في وقت تبحث فيه الحكومات عن أدوات لحماية الإنتاج المحلي والحفاظ على قدرته التنافسية.
بدأت فرنسا خلال سبتمبر (آيلول) تطبيق رسوم على منتجات الأزياء فائقة السرعة، في إطار مساعيها للحد من الآثار البيئية الناجمة عن الملابس منخفضة الأسعار وسريعة الإنتاج. ويرى تحليل نشرته "بلومبرغ" أن الإجراء، رغم صياغته على أساس بيئي، يستهدف عملياً بدرجة كبيرة منصات التجارة الإلكترونية الصينية مثل "شي إن" و"تيمو" التابعة لمجموعة "بي دي دي هولدنغز"، و"علي إكسبريس" التابعة لمجموعة "علي بابا".
ويعتمد الإجراء على معايير مرتبطة بعدد المنتجات الجديدة التي تطرحها الشركات وتكلفة إصلاح المنتجات مقارنة بسعر بيعها، ما يجعل المنصات التي تعتمد على الإنتاج السريع وكثافة طرح المنتجات أكثر تأثراً بالرسوم.
تشريع يتجاوز قطاع الأزياء
بدأ التشريع الفرنسي من مخاوف بيئية مرتبطة بالانتشار المتزايد للأزياء سريعة الإنتاج، لكن نطاقه تغير خلال مراحل إقراره. وكانت الصيغة الأولى التي أقرها مجلس النواب في مارس (آذار) 2024 أوسع نطاقاً، وكان من الممكن أن تشمل شركات أوروبية كبيرة مثل "زارا" التابعة لمجموعة إنديتكس و"إتش آند إم".
أما الصيغة النهائية التي أُقرت في يونيو (حزيران)، فاعتمدت معايير مرتبطة بوتيرة طرح المنتجات وتكلفة إصلاحها مقارنة بسعر الشراء، وهي معايير تؤثر بصورة أكبر في منصات التجارة الإلكترونية التي تعتمد على إنتاج كميات ضخمة من المنتجات منخفضة التكلفة.
وبحسب مصدر من حملة "أصدقاء الأرض فرنسا"، وهي جمعية لحماية الإنسان والبيئة، ساهم ضغط شركات الأزياء التقليدية في تضييق نطاق التشريع باتجاه منصات التجارة الإلكترونية الصينية، بينما اعتبر مسؤولون صينيون الإجراء تمييزياً.
فائض تجاري صيني عند مستويات قياسية
تتجاوز المنافسة قطاع الملابس، مع توسع الشركات الصينية في قطاعات استهلاكية مختلفة بحثاً عن أسواق جديدة. ووصل فائض الصين التجاري نحو 1.2 تريليون دولار العام الماضي، مع توقعات بتجاوزه خلال 2026، ما يعكس الحجم المتزايد للسلع الصينية المتجهة إلى الأسواق الخارجية.
كما أصبحت الفجوة التجارية للصين مع بقية آسيا أكبر من فجوتها مع أوروبا أو الولايات المتحدة، ما يشير إلى اتساع نطاق المنافسة الصينية داخل الأسواق الإقليمية والعالمية.
وتدفع هذه التطورات الحكومات إلى إعادة النظر في أدوات السياسة الصناعية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالوظائف والإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد.
تايلاند تربط الحوافز بالإنتاج المحلي
تقدم تجربة تايلاند مع السيارات الكهربائية الصينية نموذجاً مختلفاً في التعامل مع المنافسة الخارجية. فقد اعتمدت بانكوك نظاماً ضريبياً متعدد المستويات يمنح مزايا أكبر للشركات التي تستثمر في التصنيع المحلي، بينما تواجه الشركات التي تعتمد على الاستيراد من دون إنشاء قاعدة إنتاج داخل البلاد معدلات ضريبية أعلى.
وتربط السياسة التايلاندية المزايا الضريبية أيضاً باستخدام نسبة أكبر من المكونات المحلية، ما يجعل الحوافز مرتبطة بالاستثمار وتطوير سلاسل الإمداد وخلق وظائف داخل الاقتصاد.
ويتقاطع هذا النهج مع توجهات أوروبية تستهدف تعزيز الإنتاج المحلي في قطاعات استراتيجية، بما فيها السيارات الكهربائية والتقنيات الخضراء.
معادلة الأسعار والإنتاج المحلي
تضع المنافسة الصينية الحكومات أمام معادلة اقتصادية دقيقة بين توفير منتجات منخفضة الكلفة للمستهلكين والحفاظ على قاعدة إنتاجية محلية قادرة على المنافسة وتوفير الوظائف.
ومع استمرار توسع الشركات الصينية عالمياً، تتزايد أهمية تصميم السياسات الصناعية والتجارية وفق طبيعة كل قطاع. وتشمل الأدوات المتاحة الرسوم، الضرائب، الحوافز الاستثمارية ومتطلبات المحتوى المحلي، فيما يختلف تأثير كل منها بحسب الهدف الاقتصادي والقدرة على جذب الاستثمارات وتطوير الإنتاج المحلي.
وتكشف التجربة الفرنسية والنموذج التايلاندي عن مسارين مختلفين للتعامل مع المنافسة الصينية، أحدهما يعتمد على فرض أعباء إضافية على بعض المنتجات، والآخر يربط الحوافز بالاستثمار والإنتاج داخل السوق المحلية.