تشهد الأسواق الأمريكية تحولاً لافتاً في اتجاهات الاستثمارات الأجنبية، مع تجاوز التدفقات إلى الأسهم الأمريكية نظيرتها المتجهة إلى سندات الخزانة، في تطور نادر يعكس تنامي المخاوف بشأن التضخم وتراكم الديون الحكومية الأمريكية وتأثيرهما على جاذبية السندات الحكومية باعتبارها من الأصول الأكثر أماناً في العالم.
وبحسب تحليل لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية أجرته دويتشه بنك ونقلته صحيفة فاينانشال تايمز، بلغت التدفقات الدولية إلى الأسهم الأمريكية ما يعادل 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي خلال العام المنتهي في يونيو (حزيران)، مقابل 2% للسندات الحكومية.
ويعد هذا التحول استثنائياً منذ بداية القرن الحالي، باستثناء فترات قصيرة خلال جائحة كورونا وتداعيات الأزمة المالية العالمية، ويأتي في وقت يواصل فيه المستثمرون ضخ الأموال في سوق الأسهم الأمريكية مدفوعين بقوة أرباح الشركات والاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وارتفع مؤشر إس آند بي 500 بنحو 12% منذ بداية العام، بينما سجلت الشركات المدرجة نمواً في الأرباح 52% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، وفق بيانات فاكتست.
الدين الأمريكي يضغط على سوق السندات
في المقابل، تتزايد الضغوط على سوق سندات الخزانة مع ارتفاع مستويات الدين الحكومي الأمريكي إلى نحو 40 تريليون دولار، واستمرار تسجيل عجز في الموازنة، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالديون الحكومية طويلة الأجل. وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً من 4.83% إلى 5.32% منذ بداية العام، بينما تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات 5%، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 2007.
ولا تقتصر المخاوف على حجم الدين، إذ تزداد حساسية المستثمرين تجاه مسار التضخم وأسعار الفائدة، إلى جانب التساؤلات المتعلقة بقدرة السياسة المالية والنقدية على التعامل مع ارتفاع أعباء الاقتراض. ويؤدي ارتفاع العوائد طويلة الأجل إلى زيادة كلفة التمويل على الحكومة والشركات والأسر، كما يجعل السندات أكثر قدرة على منافسة الأسهم من حيث العائد المطلوب، ما يرفع مخاطر انتقال الضغوط من سوق الديون إلى أسواق الأسهم.
الأسهم تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي
ورغم الضغوط التي تواجه سوق السندات، لا يزال سوق الأسهم الأمريكية يجذب رؤوس الأموال الأجنبية بفعل قوة أرباح الشركات، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وتشير بيانات فاكتست إلى أن نمو أرباح الشركات المدرجة في مؤشر إس آند بي 500 بلغ 52% في الربع الثاني على أساس سنوي، أو 34% عند استبعاد أمازون وألفابت، اللتين استفادتا من مكاسب مرتبطة باستثماراتهما في شركات الذكاء الاصطناعي.
ويرى محللون أن قوة الميزانيات والأرباح في عدد من الشركات الأمريكية تجعل الأسهم أكثر جاذبية نسبياً بالنسبة لبعض المستثمرين الذين أصبحوا أكثر حذراً تجاه الوضع المالي للحكومة الأمريكية. كما تظهر مؤسسات استثمارية عالمية توجهاً لإعادة توزيع الأصول بعيداً عن سندات الخزانة طويلة الأجل، إذ اقترح مدير صندوق الثروة السيادي النرويجي، البالغ حجمه نحو 2.3 تريليون دولار، خفض حيازاته من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 80 مليار دولار وتحويل جزء من الأموال إلى أدوات دين أخرى.
تغير العلاقة بين الأسهم والدولار
ويمتد تأثير التحول في التدفقات إلى سوق العملات، إذ يشير محللون إلى احتمال تغير العلاقة التقليدية بين الدولار وتدفقات رأس المال العالمية. تاريخياً، كان الدولار يستفيد من فترات اضطراب الأسواق عندما يتجه المستثمرون الأجانب إلى سندات الخزانة باعتبارها ملاذاً آمناً، لكن زيادة الاعتماد على الأسهم الأمريكية قد تجعل حركة العملة أكثر ارتباطاً بتدفقات الاستثمار إلى سوق الأسهم.
ويعني ذلك تحولاً محتملاً في طبيعة الأصول الأمريكية بالنسبة للمستثمرين العالميين، من الاعتماد على السندات الحكومية كأداة دفاعية في فترات عدم اليقين إلى زيادة التعرض للأسهم بحثاً عن النمو والعائد، خصوصاً مع استمرار تدفقات الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ارتفاع العوائد يمثل اختباراً للأسهم
ومع ذلك، فإن التحول نحو الأسهم لا يخلو من المخاطر، إذ يمكن أن يؤدي استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى زيادة كلفة الاقتراض للشركات وتقليص القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، ما يضغط بدوره على تقييمات الأسهم. وتعد حركة سوق السندات حالياً من أبرز العوامل التي يراقبها المستثمرون في سوق الأسهم، بعدما تجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات 5% للمرة الأولى منذ 2007.
وتشير هذه التطورات إلى إعادة تسعير أوسع للمخاطر في الأسواق الأمريكية، فلم يعد حجم العائد المتوقع على الأسهم هو العامل الوحيد في قرارات المستثمرين، بل أصبحت مستويات الدين الحكومي والتضخم والعوائد طويلة الأجل عناصر أساسية في تحديد توزيع رؤوس الأموال بين الأسهم والسندات.
وفي الوقت نفسه، لا تعني زيادة التدفقات إلى الأسهم أن الطلب على سندات الخزانة اختفى، إذ لا يزال المستثمرون الأجانب يمتلكون نحو 40% من سندات الخزانة القائمة بالقيمة السوقية، ما يؤكد أن التحول الحالي يتعلق بإعادة توزيع التدفقات أكثر من كونه خروجاً شاملاً من سوق الدين الأمريكي.