كشفت الولايات المتحدة وللمرة الأولى عن امتلاكها أسلحة للسيطرة على الفضاء توجد بالفعل في المدار، في تصريح يُعدّ الأقوى علنياً بشأن تسليح الفضاء حتى الآن.
يُقدَّر اقتصاد الفضاء العالمي بنحو 626 مليار دولار، وفق أحدث البيانات، فيما يقترب عدد الأقمار الصناعية العاملة من 15 ألف قمر.
الأقمار الصناعية تنقل إشارات الاتصالات والإنترنت وتحدد المواقع وتوفر بيانات الملاحة، لذلك فإن تعطلها يمتد أثره مباشرة إلى قطاعات حيوية في الاقتصاد.
وينقل هذا الإقرار التنافس الأمريكي مع الصين إلى مستوى غير مسبوق، مخبئاً وراءه سباق تسلح تتعدى فاتورته المؤسسات العسكرية لتمس الاقتصاد العالمي، في ظل الارتباط الوثيق بين الأقمار الصناعية وبين خدمات الاتصالات والملاحة القطاعية الحيوية.
وقال وزير القوات الجوية الأمريكي تروي مينك، في مؤتمر القوات الجوية والفضاء والأمن السيبراني بولاية ماريلاند، إن الولايات المتحدة تملك "أسلحة للسيطرة على الفضاء" موجودة بالفعل في المدار وقادرة على الدفاع عن القوات الأمريكية ضد أي أعمال عدائية، لكنه لم يكشف نوع السلاح أو قدراته أو تاريخ وضعه في المدار.
وجاء الاعتراف الأمريكي في وقت تتسارع فيه برامج واشنطن لبناء قدرات عسكرية فضائية، خاصة ضمن مشروع "القبة الذهبية"، الذي يشمل أنظمة اعتراض صاروخي وأقماراً صناعية للمراقبة.
وتقدر تكلفة المشروع بنحو 1.2 تريليون دولار على مدى 20 عاماً، وفق تقديرات الكونغرس.

تحذير صيني.. وصراع فضائي
سرعان ما جاء الرد الصيني الأربعاء، حيث نقلت رويترز عن المتحدث باسم الخارجية الصينية قوه جيا كون، أن بلاده تعارض تسليح الفضاء وتحويله إلى ساحة حرب، داعياً واشنطن إلى وقف تعزيز قدراتها العسكرية واتخاذ خطوات للحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي العالمي.
ويتعاظم وزن هذا التحذير بالنظر إلى تسارع الخطى الصينية نحو سيادة المدار، إذ لم يكن اختبار 2007 الذي دمّرت فيه بكين قمراً اصطناعياً بصاروخ أرضي مجرد حادثة عابرة، بل كان إعلان دخول لعصر "عسكرة الفضاء" الذي لحقت به روسيا من خلال إجراء مماثل في 2021.
كما رصد خبراء خلال السنوات الأخيرة تحركات غريبة لأقمار صينية وروسية بالقرب من أقمار أخرى، وهي تقنيات يمكن استخدامها لأغراض مدنية أو عسكرية.

ما السلاح الأمريكي؟
تعددت التفسيرات حول الإعلان الأمريكي، لكن BBC نقلت عن خبراء ترجيحهم أن يكون السلاح منصة للحرب الإلكترونية قادرة على التشويش على الاتصالات، وهي وسيلة يمكنها تعطيل قمر صناعي من دون تدميره، مع عدم استبعاد وجود قدرات أكثر خطورة مثل أقمار قادرة على الاقتراب من أقمار أخرى أو الإمساك بها وتغيير مدارها أو حتى تدميرها.
ووفق مجلة تايم، تطور الدول الكبرى تقنيات استهداف الفضاء منذ عقود، مثل برنامج "ساتلايت ديستروير" الذي طوّره الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن الماضي ليشمل أقماراً قادرة على إطلاق مقذوفات باتجاه أقمار أخرى.
غير أن إعلان واشنطن الأخير يفرق عن جميع ما سبق، لأنه أول اعتراف أمريكي رسمي بوجود سلاح يعمل بالفعل داخل المدار.

الجنرال ستيفن وايتينغ، قائد القيادة الفضائية الأمريكية، خلال محاضرة حول الفضاء كمجال للحرب
ليس سباقاً عسكرياً فقط
يُقدَّر اقتصاد الفضاء العالمي بنحو 626 مليار دولار، وفق أحدث البيانات، فيما يقترب عدد الأقمار الصناعية العاملة من 15 ألف قمر، ما يجعل أي تهديد لهذه الأصول مسألة تمس قطاعات اقتصادية واسعة، من الاتصالات والملاحة إلى الإنترنت ورصد الطقس والاستشعار.
كما أن أي مواجهة في المدار لن تكون فاتورتها عسكرية فقط، فتدمير قمر صناعي قد يطلق كميات ضخمة من الحطام، تصطدم بدورها بأقمار أخرى، فيما يعرف بـ"متلازمة كيسلر"، ما قد يجعل بعض المدارات غير آمنة أو غير قابلة للاستخدام مستقبلًا.
وتُقدّر وكالة الفضاء الأوروبية وجود 1.5 مليون قطعة حطام يتراوح حجمها بين سنتيمتر و10 سنتيمترات، إلى جانب 230 مليون قطعة أصغر.

الأمر الذي يفتح المجال أمام سوق لخدمات إزالة الحطام وصيانة الأقمار الصناعية. وحققت شركة Astroscale، المتخصصة في هذا القطاع، زيادة 142% في الإيرادات خلال السنة المالية المنتهية في أبريل (نيسان) الماضي، بينما تطور شركة ClearSpace في لوكسمبورغ خدمات لفحص الأقمار وإصلاحها وصيانتها.
ورغم هذا النمو المشهود، تفتقر هذه السوق إلى قواعد دولية ملزمة تحدد من يتحمل مسؤولية تنظيف المدار، بينما يضيف تصاعد سباق تسليح الفضاء مخاطر جديدة على الأقمار الصناعية، ويرفع كلفة حمايتها وتأمين الأصول التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.