باتت سياسة "الخنق الاقتصادي" التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، بدءاً من سلسلة عقوبات التي طالت كيانات وشخصيات سياسية واقتصادية وصولاً إلى الحصار الذي ضربته البحرية الأمريكية على إيران في يوليو (تموز) تهديداً حقيقياً للنظام بعد أن شلت قدراته الاقتصادية.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية، الجمعة، أن قواتها أعادت توجيه 105 سفن تجارية حتى 18 سبتمبر (أيلول)، لضمان الامتثال للحصار البحري المفروض على إيران. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه صادرات النفط الإيرانية ضغوطاً متزايدة، مع تشديد العقوبات الأمريكية على مشتري الخام وشبكات الشحن المستخدمة للالتفاف عليها.
وتخشى الصين، التي لطالما اعتبرتها طهران منفذاً، تعريض مؤسساتها للعقوبات الأمريكية، إضافة لحرصها على الحفاظ على حصصها من أسواق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما دفعها لسياسة أكثر حذراً تجاه إيران، وقلص من خيارات الأخيرة في تخفيف وطأة العقوبات.
تاريخ من العقوبات
مع تاريخ طويل من العقوبات الاقتصادية على إيران منذ ثورة عام 1979، وما تلاها من اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز الرهائن الدبلوماسيين، وصولاً إلى استراتيجية "المنبوذ الاقتصادي" الأخيرة التي أعلنتها واشنطن، حولت الأخيرة العقوبات إلى حصار شامل لكل موارد النظام الإيراني.
ولم تكتف الولايات المتحدة بالعقوبات التي وسعتها لتطال شخصيات مركزية في بنية النظام المالي الإيراني المعقد الذي رسّخ تجربة طويلة من الالتفاف على العقوبات، بل امتدت لتشمل النفط و"أسطول الظل" الذي تعتمده إيران للتهرب من العقوبات.
شلل بري وانهيار نفطي.. حصار هرمز يخنق الاقتصاد الإيراني - موقع 24تتضاعف أزمة إيران الاقتصادية مع استمرار الحصار الأمريكي على مضيق هرمز، فالبديل البري الذي لجأت إليه أسفر عن تكدس آلاف الشاحنات على الحدود وزيادة مصاريف نقل البضائع، وهو ما يضيف أعباء جديدة تغذي التضخم.
آثار مباشرة
كان الاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل من أزمة عميقة قبل اندلاع الحرب نهاية فبراير (شباط) الماضي، مع انهيار العملة وتصاعد التضخم، وأضاف القصف فاتورة ضخمة لإعادة بناء الصناعة والبنية التحتية المتضررة.
هذا الواقع الجديد فرض قيوداً صارمة على جهود طهران للالتفاف على نظام العقوبات، ما انعكس بشكل مباشر على انخفاض قيمة الريال الإيراني إلى مستويات قياسية عند 2.28 مليون ريال للدولار الواحد في 2 سبتمبر (أيلول) الماضي، بحسب رويترز.
وامتدت الأزمة لتطال إمدادات البنزين التي تكفي لشهرين آخرين فقط، حسبما ذكرت مصادر إيرانية لـ"رويترز"، فيما تعرقل محدودية قدرة التكرير تعويض النقص الكبير.
الاستدانة من أجل رغيف الخبز.. الأوضاع الاقتصادية تتفاقم في إيران - موقع 24في بعض أحياء جنوب طهران، لم يعد شراء الطعام مرتبطاً فقط بما يملكه الزبون في جيبه، بعدما بدأ إيرانيون يطلبون الخبز واللحوم والمواد الغذائية وحتى الوجبات البسيطة عبر الاستدانة، في وقت يقول فيه تجار وأصحاب مخابز إن قدرتهم هم أيضاً على الاستمرار في البيع بالدين تتراجع مع ارتفاع الأسعار، وعدم سداد بعض ...
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن متوسط التضخم خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في 22 أغسطس 2026 بلغ 69.9%، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل التضخم في إيران نحو 70% خلال 2026، وهو ثالث أعلى معدل في العالم بعد فنزويلا والسودان.
وارتفعت نسبة البطالة الرسمية إلى 9.1% في الربيع، بينما انخفض عدد العاملين قرابة 450 ألفاً مقارنة بالعام السابق، وحتى بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يعملون، فإن متوسط الراتب الشهري البالغ قرابة 125 دولاراً لا يكفي لتلبية متطلبات الإنفاق المنزلي الأساسية التي تصل إلى 450 دولاراً شهرياً، وفقاً للبيانات الرسمية الإيرانية، بحسب رويترز.
رهانات "انتحارية"
بحسب لتقرير لشبكة BBC، تعتقد إيران أن الوقت ليس في صالح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالمزيد من الاضطرابات في مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط والبنزين إلى الارتفاع، ويزيد من التضخم الأمريكي، ما قد يتحول إلى مشكلة سياسية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر (تشرين الثاني).
ويقول التقرير: "هذا يمنح طهران موعداً واضحاً للمراقبة، لكن الاعتماد على الانتخابات الأمريكية هو مقامرة، وقد يكون اقتصاد إيران أضعف بكثير بحلول ذلك الوقت".
ويشير إلى أن إيران تراقب ساعتين، إحداهما سياسية وتجري في واشنطن، والأخرى اقتصادية وتجري داخل إيران، وأن كل شهر من انخفاض صادرات النفط، واضطراب التجارة، والضغط على الريال، يجعل انتظار اتفاق لإنهاء الحرب أكثر تكلفة.
إيران تفقد شريانها المالي.. النفط يتوقف والأزمة تتفاقم - موقع 24أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن عائدات النفط الإيرانية تتجه نحو الجفاف، مع استمرار الحصار البحري الأمريكي الذي يخنق صادرات الخام، بالتزامن مع تراجع مخزونات النفط الإيراني الموجودة على متن الناقلات والمتجهة بشكل رئيسي إلى الصين.
وقال ترامب، مساء الجمعة في مقابلة مع قناة نيوز نيشن، "الإيرانيون يريدون الآن إبرام صفقة، لأن إيران تخسر بكل الطرق مالياً وعسكرياً، وإذا لم تكن الصفقة كما نريد، فلن أفكر فيها حتى".