توقع صندوق النقد الدولي انكماشاً كبيراً للنشاط الاقتصادي اللبناني خلال 2026، مع بقاء التضخم في خانة العشرات واتساع عجز الحساب الجاري، بصورة رئيسية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، فيما زادت أضرار البنية التحتية والمساكن والنزوح الداخلي الضغوط على الاقتصاد ومستويات المعيشة، بفعل التوترات والحرب التي شهدتها البلاد.

وجاء التحذير في ختام زيارة بعثة الصندوق برئاسة إرنستو راميريز ريغو إلى بيروت بين 15 و18 سبتمبر (أيلول)، وهي الثانية المعلنة خلال 2026 بعد زيارة فبراير (شباط). وبحثت البعثة التوقعات الاقتصادية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، واسترداد الودائع، ومشروع موازنة 2027.

وبحسب بيان صندوق النقد، لم تأت البعثة لمراجعة قرض قائم، لأن لبنان لا يملك حالياً برنامج تمويل نافذاً مع الصندوق. وتهدف المحادثات إلى الاتفاق على إصلاحات اقتصادية ومالية، قد تتيح للبنان لاحقاً الحصول على تمويل من الصندوق، بعد موافقة مجلسه التنفيذي.

اتفاق ينتظر التنفيذ منذ 2022

لبنان الذي انضم إلى صندوق النقد الدولي في 14 أبريل (نيسان) 1947،  بدأ المسار التفاوضي المرتبط بأزمته المالية الحالية بصورة رسمية في أبريل 2022، عندما توصل الطرفان إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن برنامج تمويل ممدد بقيمة تقارب 3 مليارات دولار ولمدة 46 شهراً.

وبقي الاتفاق معلقاً لعدم استكمال الإجراءات المطلوبة قبل عرضه على إدارة الصندوق ومجلسه التنفيذي، وفي مقدمتها إعادة هيكلة المصارف والدين العام، وتعديل السرية المصرفية، وإقرار قيود رسمية على رأس المال، وتوحيد أسعار الصرف، والتدقيق في أوضاع المصارف، وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد.

ورحب الصندوق خلال الزيارة الأخيرة بإقرار تعديلات قانون معالجة أوضاع المصارف، معتبراً أنها توفر إطاراً منظماً للتعامل مع المصارف المتعثرة وتصفيتها. لكن إعادة هيكلة القطاع لا تكتمل من دون معالجة الخسائر التي تراكمت بعد انهيار 2019، وأدت إلى تقييد وصول المودعين إلى مدخراتهم، ولا سيما الحسابات بالدولار.

بدأت أزمة الودائع مع الانهيار المالي في خريف 2019، عندما قيّدت المصارف عمليات السحب والتحويل إلى الخارج، وحُرم المودعون من الوصول الكامل إلى مدخراتهم، ولا سيما الحسابات بالدولار.

وأصبح الملف العقدة الأصعب في الإصلاح المصرفي بسبب غياب اتفاق نهائي على توزيع الخسائر المتراكمة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية، وعلى مصادر تمويل إعادة الأموال والمدة اللازمة لسدادها.

ولا يبدأ حل أزمة الودائع، بحسب سعيد محمد خبير اقتصاد، بوضع جدول للدفع، بل بتحديد حجم الخسائر ومسؤولية كل طرف والموارد القابلة فعلياً للاستخدام.

قانون يمنع تحميل المودعين الخسائر 

ويوضح أن صندوق النقد لا يسدد الودائع، لكنه يطالب بقانون يمنع تحميل المودعين الخسائر قبل مساهمي المصارف والدائنين الأدنى مرتبة، ويضمن أن تكون خطة السداد قابلة للتمويل ولا تؤدي إلى انهيار المصارف أو زيادة الدين العام.

ولا يتضمن بيان الصندوق الأخير آلية منفصلة لودائع اللبنانيين المقيمين في الخارج. ويقول محمد إن مصير أموال المغتربين سيبقى مرتبطاً بالصيغة النهائية للقانون، وتصنيف الحسابات وأحجامها ومصادرها وجدول سدادها.

ويربط محمد بين هذا الملف وتحذير الصندوق من الانكماش، موضحاً أن تراجع الإنتاج والدخل وإيرادات الدولة يقلص الموارد المتاحة لإعادة رسملة المصارف وتمويل سداد الودائع، ما يجعل تأخير الإصلاح أكثر كلفة ويطيل مدة استرداد الأموال.

إصلاح مالي مواز

ويقترن  إصلاح المصارف بمسار مالي مواز، لا يقل صعوبة برأيه، إذ طالب الصندوق بإقرار إطار مالي متوسط الأجل، وتنفيذ رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 12%، وعدم اعتماد زيادات إضافية في الرواتب والتقاعد من دون إيرادات تغطيها، مع تخصيص موارد للنازحين وإعادة الإعمار والحماية الاجتماعية.

ويظل تنفيذ هذه الإصلاحات شرطاً للانتقال من المشاورات إلى اتفاق تمويل فعلي، بعدما بقي اتفاق 2022 من دون موافقة نهائية.