رغم مرور أكثر من 4 سنوات على الأزمة الأوكرانية، يبدو أن روسيا لا تزال بعيدة عن لحظة الحساب الاقتصادي الشامل للحرب، فالمصانع تعمل، والبطالة منخفضة، لكن خلف هذه الصورة يوجد أيضاً نمواً بطيئاً، وعجزاً آخذاً في الاتساع، واحتياطيات تتراجع.

رغم هذه المؤشرات، تتمسك موسكو برواية الاستقرار الاقتصادي، حيث قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن تقلبات العجز الشهرية لا تستدعي القلق، وإن الاستقرار الاقتصادي الكلي "مضمون".

غير أن العامل الأساسي الذي يُبقي هذه المعادلة قائمة ويمنع الوضع من الانهيار هو النفط، لأن عائداته توفّر الأموال اللازمة لموسكو للإنفاق العسكري ومواصلة تمويل الحرب.

وبحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس"، لا تشير المؤشرات الحالية إلى انهيار اقتصادي أو أزمة مالية وشيكة، إلا أن خبراء اقتصاديين يحذرون من تآكل تدريجي في أسس الاقتصاد، نتيجة ارتفاع الإنفاق والديون وتكاليف الاقتراض، إلى جانب تراجع الاستثمار بسبب العقوبات الغربية.

ويظهر ذلك في تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 0.6% المتوقعة للعام الحالي، مقارنة بمعدلات تجاوزت 4% سنوياً خلال عامي 2023 و2024.

اتساع عجز الموازنة

بلغ عجز الموازنة في روسيا 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يوليو (تموز)، ليتجاوز ضعف النسبة التي استهدفتها الحكومة للعام بأكمله، وهو ما دفعها لزيادة الاقتراض الداخلي بعد انخفاض أصول صندوق الاحتياطي إلى 1.6%، رغم بلوغ الفائدة على السندات الحكومية 17%.

​وفي محاولة لزيادة مواردها، لجأت الحكومة إلى زيادة ضريبة القيمة المضافة وتشديد الضرائب على المشاريع الصغيرة وفرض رسوم إضافية، في حين تتولى شركات القطاع العسكري تدبير احتياجاتها عبر قروض بنكية، بما يبقي جزءاً من ديون تمويل الحرب خارج أرقام عجز الموازنة.

​وفي تقرير حديث، أوضحت "الإندبندنت" البريطانية أن الجمع بين الإنفاق الضخم وتباطؤ النمو وارتفاع كلفة الاقتراض يخلق حالة غير قابلة للاستمرار في روسيا، مع بقاء التوقيت الفعلي لاندلاع الأزمة الاقتصادية غير واضح حتى الآن.

مساحة للمناورة بفضل النفط

خفّفت أسعار الطاقة العالمية المرتفعة من حدة الضغوط المالية على موسكو، بعدما قفزت عوائد صادرات النفط الروسي من أقل من 10 مليارات دولار شهرياً قبل حرب إيران إلى 15.8 مليار دولار في يونيو (حزيران) و13.8 مليار دولار في يوليو (تموز).

​وتشير التقديرات إلى أن استمرار هذا الزخم في أسعار النفط ربما يمنح الكرملين مرونة أكبر ويقلل من قيود الميزانية، ما يدعم قدرته على مواصلة تمويل العمليات العسكرية.

كما تزامن هذا الانتعاش النفطي مع هبوط معدل البطالة إلى 2.2%، في ظل زيادة خطوط الإنتاج بالمصانع العسكرية وتكثيف الضخ الحكومي في المناطق الأقل دخلاً.

وعلى سبيل المثال، زادت شركة "أورالفاغونزافود" لصناعة الدبابات عدد العاملين لديها من 20 ألفاً إلى 38 ألفاً منذ بدء الحرب، بينما ضاعفت شركة "كوبول" إنتاجها أكثر من مرتين خلال 2025.

ورغم ذلك تقف أزمة نقص العمالة الماهرة ومغادرة مئات الآلاف للبلاد عقبةً تحول دون مواصلة النمو المتكامل في القطاع العسكري وباقي القطاعات الاقتصادية.

تراجع ثقة المستهلك

تسلّلت أيضاً التداعيات الاقتصادية إلى معنويات الشارع الروسي، لتسجل ثقة المستهلكين هبوطاً لافتاً بحسب مؤشر مركز "ليفادا" المستقل، حيث تراجع إلى 94 نقطة خلال صيف 2026 بعدما كان عند 116 نقطة في ربيع وصيف 2025.

وتُعبّر المستويات الأقل من 100 نقطة إلى غلبة النظرة السلبية على الإيجابية.

ويواجه المستهلكون تداعيات صعبة أخرى شملت غلاء البنزين ونقص الوقود بسبب استهداف بعض المصافي من قِبل أوكرانيا، فضلاً عن تضرر قطاع الأعمال الصغيرة الذي فقد جزءاً من عملائه ومخازنه جراء الهجمات على منصات البيع الرقمية الكبرى مثل "وايلدبيرييز" و"أوزون".

ورغم هذه المؤشرات، تتمسك موسكو برواية الاستقرار الاقتصادي، حيث قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن تقلبات العجز الشهرية لا تستدعي القلق، وإن الاستقرار الاقتصادي الكلي "مضمون". لتبقى قدرة موسكو على مواصلة تمويل الحرب مرهونة باستمرار العوامل التي حالت حتى الآن دون تحول الضغوط المتراكمة إلى أزمة فعلية.