انتقل الاقتصاد الروسي من محاولة استعادة الاستقرار بعد صدمة النفط والعقوبات الغربية الأولى، إلى نموذج مختلف جذرياً يقوم على الإنفاق الحكومي الكبير، وإحلال الواردات، وإعادة توجيه التجارة نحو آسيا، وتوسيع الصناعات المرتبطة بالدفاع.
روسيا عززت في الوقت نفسه تعاونها الاقتصادي مع الصين والهند، خصوصاً عبر صادرات الطاقة، إلى جانب توسيع علاقاتها مع عدد من الاقتصادات الناشئة ودول الشرق الأوسط
عائدات الطاقة أدت دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الاقتصاد، من خلال توفير موارد للموازنة وتدفقات من النقد الأجنبي ساعدت موسكو على تمويل احتياجات الدولة والاقتصاد، بالتزامن مع استمرار الإنفاق المرتبط بالحرب
الأرقام نفسها تكشف مفارقة لافتة. فبحسب بيانات "البنك الدولي"، نما الاقتصاد الروسي 0.2% فقط في 2016، ثم تسارع تدريجياً قبل انكماشه 2.7% في عام الجائحة 2020، وارتد 5.9% في 2021. وبعد بدء الحرب في أوكرانيا انكمش 1.4% في 2022، لكنه خالف توقعات أكثر تشاؤماً وسجل نمواً 4.1% في 2023 و4.9% في 2024، قبل أن يتباطأ بقوة إلى 1% في 2025.
وبلغ الناتج المحلي 2.56 تريليون دولار في 2025، مقابل 1.28 تريليون دولار قبل عشرة سنوات، مع ضرورة الانتباه إلى أن المقارنة الدولارية تتأثر بشدة بسعر صرف الروبل الروسي والتضخم.
وفي قراءته لأداء الاقتصاد الروسي خلال العقد الأخير، قال مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، مصطفى أبوزيد، إن "تقييم الاقتصاد يجب أن يأخذ في الاعتبار حجم الضغوط الاستثنائية التي تعرض لها، وفي مقدمتها العقوبات الغربية واتساع نطاقها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا".
من التقشف إلى اقتصاد الحرب
واعتمدت إدارة "القيصر الروسي" على احتياطيات مالية وقواعد للموازنة هدفت إلى حماية الدولة من تقلب أسعار النفط. وتشير تقديرات معهد "ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" إلى أن التمويل المرتبط بالحرب والإنفاق العسكري الروسي بلغ 16 تريليون روبل (190.8 مليار دولار) في 2025، أي 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع الضغوط المالية، سجلت الموازنة عجزاً بـ2.6% من الناتج في ذلك العام.
وأظهرت موازنة 2026 خفض الإنفاق العسكري المخطط إلى 14.9 تريليون روبل (177.6 مليار دولار)، أو 6.3% من الناتج، مع احتمال تعديل الأرقام مع تغير الظروف المالية والاقتصادية حتى نهاية العام الحالي.
وأضاف أبوزيد أن الاقتصاد الروسي أظهر القدرة على التكيف مع هذه الضغوط، مستنداً إلى استمرار تسجيل النمو في عدد من السنوات، والحفاظ على معدلات بطالة منخفضة، واستمرار تدفقات عائدات النفط والغاز، بالتزامن مع إعادة توجيه جزء متزايد من التجارة نحو الشرق وتغيير خريطة الشركاء التجاريين.
مصانع بوتين.. قفزة الصناعة العسكرية والسيارات
الصناعة الدفاعية تمثل أوضح مجالات التوسع، وسمحت تعبئة الموارد الحكومية للمجمع الصناعي العسكري بزيادة إنتاج الذخائر والطائرات المسيّرة وأنظمة التسليح والمعدات، فيما تحولت الحرب الطويلة إلى محرك أساسي للطلب الصناعي.
ولا يعتبر أبوزيد، صمود الاقتصاد الروسي أمام العقوبات الغربية "نجاحاً هيكلياً كاملاً"، موضحاً أن هذا الصمود ارتبط بمجموعة من العوامل الاستثنائية، في مقدمتها الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري، التي ساهمت في دعم الطلب الكلي وتوفير فرص عمل مرتبطة بالأنشطة والصناعات العسكرية والصناعات المغذية لها.
أما صناعة السيارات فالصورة أكثر تعقيداً. وأدى خروج شركات غربية بعد 2022 إلى انهيار السوق قبل أن يبدأ التعافي مدعوماً بـ"أفتوفاز" الروسية وباندفاع الشركات الصينية. إذ قفزت مبيعات السيارات الجديدة 48.4% في 2024 إلى 1.571 مليون سيارة، وارتفعت مبيعات أفتوفاز 34.4% إلى أكثر من 436 ألف سيارة، لكنها استحوذت على 28% فقط من السوق، فيما احتلت العلامات الصينية 8 مراكز من العشرة الأولى.
وأوضح أبوزيد أن روسيا عززت تعاونها الاقتصادي مع الصين والهند، خصوصاً عبر صادرات الطاقة، إلى جانب توسيع علاقاتها مع عدد من الاقتصادات الناشئة ودول الشرق الأوسط، فيما ساعد التوسع في استخدام العملة المحلية (الروبل) في بعض المعاملات التجارية على تقليل اعتمادها النسبي على الدولار واليورو.
وفي الطيران المدني الفجوة أكبر. وفرضت العقوبات على موسكو تطوير مكونات محلية لطائرات مثل "MC-21" و "SJ-100"، لكن البرامج واجهت تأخيرات متكررة. وبحسب تحقيق لـ"رويترز"، واجهت روسيا صعوبات كبيرة في تنفيذ خطط إنتاج الطائرات التجارية، وتكرر خفض المستهدفات وتأجيل الإنتاج التسلسلي لطائرات روسية جديدة مثل "MC-21" إلى 2026.
التوجه شرقاً بعد الشراكة مع أوروبا وG8
يصعب فهم التحول الاقتصادي دون العودة إلى 2014. روسيا عضواً في مجموعة الثماني، وشريكاً اقتصادياً مهماً للاتحاد الأوروبي. لكن ضم موسكو شبه جزيرة القرم أدى إلى فرض عقوبات أوروبية وتعليق مشاركتها في G8، التي عادت للعمل بصيغة G7 من دون روسيا. وبعد حرب 2022 اتسعت القطيعة بصورة غير مسبوقة لتشمل المال، التكنولوجيا، الطاقة، النقل، التجارة والسلع ذات الاستخدام المزدوج.
ردت موسكو بإعادة توجيه جزء كبير من تجارتها، خصوصاً الطاقة، نحو الصين والهند ودول أخرى، واستخدام قنوات الاستيراد الموازي للحصول على بعض السلع والمكونات. النتيجة ليست عزلة اقتصادية كاملة، بل تغير عميق في جغرافية الاقتصاد الروسي: اعتماد أقل على أوروبا مقابل روابط أكبر مع آسيا والاقتصادات التي لم تنضم إلى العقوبات.
اقتصاد واحد وروايتان!
هنا تظهر الفجوة الأوضح بين الروايتين الإعلاميتين. الخطاب الروسي، الذي تعكسه تصريحات الحكومة ووسائل الإعلام الرسمية، يركز على أن العقوبات أخفقت في إسقاط الاقتصاد، وأن روسيا استطاعت إعادة توجيه التجارة وزيادة الإنتاج الصناعي وتحقيق معدلات نمو قوية في 2023 و2024، بالتوازي مع بطالة شديدة الانخفاض.
وفي المقابل، تركز وسائل الإعلام الغربية والمؤسسات الاقتصادية الدولية على نوعية النمو واستدامته أكثر من مجرد معدله. فالبنك الدولي يقول إن "النمو هبط من 4.9% في 2024 إلى 1% في 2025، مع تراجع التحفيز المالي وتشدد الظروف النقدية وتأثر الاستهلاك والاستثمار"، ويتوقع بقاء النمو ضعيفاً في الأجل المتوسط عند نحو 0.7%. ويسجل البنك الدولي كذلك تضخماً في أسعار المستهلك بلغ 8.7% وبطالة عند 2.1% في 2025.
وتعكس التغطية الغربية الحديثة هذه المخاوف، إذ ركزت رويترز، على سبيل المثال، على تباطؤ النشاط، وارتفاع تكاليف الاقتراض، ونقص العمالة، وضعف الاستثمار الصناعي، مقابل استمرار الإنفاق الحكومي المرتبط بالحرب في دعم أجزاء من الاقتصاد.
في قراءته لهذا التباين، يرى أبوزيد أن الاقتصاد الروسي تمكّن حتى الآن من تجنب "سيناريو الانهيار" الذي طرحته بعض التقديرات عقب فرض العقوبات الواسعة، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني غياب تأثير العقوبات في القدرات الاقتصادية الروسية.
ويخلص أبوزيد إلى أن الصورة لا تقوم على اعتبار العقوبات بلا تأثير، ولا على افتراض أنها قادت الاقتصاد الروسي إلى الانهيار، بل على أن موسكو استطاعت حتى الآن التكيف مع جانب كبير من الصدمة، مستفيدة من عائدات الطاقة والإنفاق الحكومي والتحول التجاري نحو آسيا، فيما يبقى الاختبار الأهم في قدرة هذا النموذج على الاستمرار عندما تتراجع دوافع اقتصاد الحرب.