رغم وجود "السوق الموحدة"، يصطدم التوسع التجاري داخل الاتحاد الأوروبي بحاجز التجزئة التنظيمية والمالية، حيث تجد الشركات الناجحة صعوبة في الانتقال من سوقها المحلية إلى بقية دول التكتل بالمرونة نفسها.
وتضم القارة أسماء عملاقة مثل "سيمنس" و"إيرباص" و"بي إم دبليو"، فيما تصدرت "فولكس فاغن" شركات السيارات الأوروبية قائمة "Fortune 500 Europe" بإيرادات 363.1 مليار دولار، تلتها "ستيلانتس" بـ 173.1 مليار دولار، ثم "بي إم دبليو" بـ 150.5 مليار دولار.
غير أن صندوق النقد الدولي يرى أن نجاح هذه الكيانات الضخمة لا يعني أن الاقتصاد الأوروبي قادرٌ بالتبعية على صناعة شركات جديدة تنمو للوصول إلى الحجم نفسه.
وتُظهر الفوارق الرقمية صعوبة النمو؛ حيث توظف الشركة الأوروبية التي يتجاوز عمرها 25 عاماً نحو 10 موظفين فقط في المتوسط، مقابل 70 موظفاً لدى نظيرتها الأمريكية.
وتتضح المفارقة بشكل أكبر في القيمة السوقية للشركات المدرجة التي يقل عمرها عن 50 عاماً، بنحو 42.9 تريليون دولار في الولايات المتحدة، مقابل 5 تريليونات دولار فقط للشركات المماثلة في الاتحاد الأوروبي.

وهنا تبرز العوامل التي تعيق نمو وتوسع هذه الشركات:
1- الحدود التنظيمية
من المفترض أن تمنح السوق الأوروبية الموحدة الشركات قاعدة واسعة من العملاء، لكن الواقع مختلف؛ فالقواعد المنظمة للنشاط تتباين من دولة لأخرى، لا سيما في قطاعات الخدمات.
وتشمل هذه العقبات متطلبات الترخيص والاعتراف بالمؤهلات والمعايير المهنية، ما يجعل انتقال الشركة إلى سوق أوروبية جديدة أقرب إلى بدء العمل في دولة غريبة كلياً، بدلاً من التوسع السلس داخل سوق واحدة.
وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) هذا التباين الحاد في القيود بين الدول، خصوصاً في قطاعات مثل الخدمات المهنية والتجزئة والاتصالات والنقل.
وهكذا، لا تتوقف الشركات عند الحدود الجغرافية فحسب، بل تصطدم بحزمة قواعد جديدة مع كل دولة تدخلها، ما يفقد السوق الأوروبية الموحدة ميزتها الأساسية.

2- صعوبة حركة الكفاءات
يظهر العائق نفسه في سوق العمل؛ حيث تحتاج الشركة التي تفتتح نشاطاً في دولة جديدة إلى مهارات وكوادر قادرة على الانتقال والعمل بسهولة، لكن حركة العمالة بين الدول الأوروبية لا تزال تصطدم بحواجز بيروقراطية، وتتطلب غالباً إجراءات ووثائق إضافية معقدة.
ويعني ذلك أن توسع الشركة يستند كلياً إلى قدرتها على توفير الكفاءات والعمالة التي تحتاج إليها في تلك الأسواق.

3- مشكلة تجزئة التمويل
ثم تظهر عقبة رأس المال بوضوح؛ فأسواق التمويل الأوروبية لا تعمل كسوق واحدة، بل تظل مجزأة داخل حدود كل دولة، مع اعتماد مفرط على المصارف التقليدية بدلاً من أسواق المال.
وتتعقد هذه المشكلة أمام شركات ناشئة وتقنية، لأن البنوك تشترط أصولاً مادية ملموسة كالعقارات أو المعدات لتقديم القروض، بينما تعتمد قيمة الشركات الحديثة على أصول غير ملموسة مثل براءات الاختراع والبرمجيات.
ويشدد صندوق النقد الدولي على أن بناء أسواق رأس مال أوروبية موحدة وعميقة يوفر لهذه الشركات تمويلاً أطول أجلاً، ويمنحها مرونة أكبر لتحمل مخاطر التوسع النمو.
4- فجوة الشركات الصغيرة تظهر في الإنتاجية
تؤثر كل هذه العوائق بوضوح على معدلات الإنتاجية العامة؛ ويقدر صندوق النقد الدولي إنتاجية العمل في أوروبا بأقل 20% مقارنة بالولايات المتحدة.
وتوضح بيانات منظمة OECD أن إنتاجية الشركات الصغيرة والمتوسطة وصلت في 2024، 65% فقط من مستوى إنتاجية الشركات الكبرى.
ومن هذا المنطلق، يربط صندوق النقد الدولي بين تعميق التكامل في السوق الأوروبية، وتسهيل حركة العمالة ورأس المال، وبين منح الشركات فرصة حقيقية للنمو، بوصف ذلك المسار الأساسي لردم فجوة الإنتاجية مع الاقتصاد الأمريكي.