خلال سنوات قليلة، كان إنتاج قصة خيالية عن أم تلد تنيناً وتخوض حرباً لحمايته يتطلب استوديوً كبيراً، وفِرقاً ضخمة للمؤثرات البصرية، وميزانية بملايين الدولارات.

سوق الذكاء الاصطناعي في السينما سينمو من 1.97 مليار دولار حالياً ليصل إلى 4.6 مليارات دولار بحلول 2030

لكن هذه المعادلة بدأت تتغير، بعدما حقق فيلم "The Mother's Monster" المولد بالذكاء الاصطناعي أكثر من 53 مليون مشاهدة خلال أسبوعين عبر يوتيوب. فبعيداً عن استوديوهات هوليوود، أنجز صانع المحتوى الباكستاني زاهد إقبال، الفيلم في أقل من 72 ساعة، بكلفة لم تتجاوز 2000 دولار، إذ تولى إقبال كتابة العمل وإخراجه والإشراف على إنتاجه عبر "زيتوميت" (Zetomate)، الاستوديو الذي أسسه لإنتاج أعمال تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

وتتزامن الصدمة الفنية التي أحدثها "إقبال" مع سباق محموم بين القوى الاقتصادية للاستحواذ على هذه التقنيات؛ حيث تشير تقديرات "ذا بزنيس ريسيرش كومباني" إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي في السينما سينمو من 1.97 مليار دولار حالياً ليبلغ 4.6 مليارات دولار بحلول 2030. 

الأمر الذي يضع الخوارزميات في قلب صراع اقتصادي محتدم، مهدداً بنية الإنتاج السينمائي التقليدي من جذورها. 

وفي هذا الشأن يشير الناقد الفني طارق الشناوي، في حديثه لـ"24"، إلى أن كل تجربة جديدة ستجد جمهورها، مستشهداً بحفلات الهولوغرام التي أعادت ظهور نجوم مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وطلال مداح.

ويضيف: "أذهب لمشاهدتها، لكنني لا أستطيع الاندماج بشكل كامل مع الصورة الموجودة على المسرح"، معتبراً أن مشكلة التلقي قد تتغير مع مرور الزمن.

وفي السينما، يرى الشناوي أن الذكاء الاصطناعي صار واقعاً لا يمكن تجاهله، مستشهداً بمشاركته في لجنة تحكيم منحت جائزة لأعمال الذكاء الاصطناعي، ومتوقعاً اتساع حضورها في المهرجانات العالمية وربما الأوسكار، قائلاً إن دورتها المئوية قد تشهد فرعاً مخصصاً لهذه الأفلام.

لكن الشناوي يميز بين قدرة التقنية واللمسة الإنسانية، قائلاً: "الوجدان هو الإبداع وليس العقل.. ذكاء اصطناعي، لكن لا يوجد وجدان اصطناعي". 

ويستند الناقد الفني إلى تجربة شخصية حين قرأ مقالات كُتبت باسمه بالذكاء الاصطناعي، فوجدها "لا تشبهه" وتفتقد "الخصوصية"، التي يصفها بأنها "الملامح الداخلية لأي كاتب أو مبدع".

نجوم لن يمشوا في الطرقات

أما الكاتب والناقد محمد عبد الرحمن فيبدأ حديثه الخاص لـ24 بمزحة قائلاً: "إذا كانت كل الأفلام ستكون بالذكاء الاصطناعي، فلماذا لا يكتب النقد الفني أيضاً الذكاء الاصطناعي؟".

ويعود عبدالرحمن للحديث بجدية، موضحاً أن التجربة ما زالت قيد الاختبار، وأن استمرارها مرتبط بمدى تقبل الجمهور لهذا الأسلوب الجديد؛ مشيراً إلى أنها قد تناسب أفكاراً وقصصاً معينة، لكن حضور الإنسان سيظل أساسياً، خاصة مع النجوم الذين ترتبط بهم الجماهير خارج الشاشة.

ويضيف عبد الرحمن: "النجم المصنوع بالذكاء الاصطناعي لن يمشي في الطرقات، ولن يتزوج، ولن يشعر الناس معه بأي شيء".

ويتوقع الناقد الفني أن تمر السينما بمرحلة انبهار بالأدوات الجديدة قبل أن تُقنن مستقبلاً، مثل تنفيذ المطاردات والانفجارات وبعض المشاهد الصعبة بالذكاء الاصطناعي، مع بقاء العنصر البشري في قلب الفيلم. 

ويختصر محمد عبد الرحمن مخاوفه قائلاً: "لو لم يحدث ذلك سيكون كل شيء مُعلباً، وكأننا نلعب ألعاب فيديو ولا نشاهد أفلاماً".

هل بدأت المعركة بالفعل؟

التغيير الفني الحقيقي يتسلل مبكراً إلى الكواليس، فالكاتب والسيناريست نبيل حريبي الكثيري يوضح في تصريحات لـ24 أن الذكاء الاصطناعي قادر على تغيير كتابة السيناريو نفسها، وليس فقط صناعة المشاهد والحوار، فهو يستطيع توليد الأفكار والنصوص، وإعداد سيناريوهات كاملة وحفظها لحين الطلب، ثم عرضها على المؤلفين وكتاب السيناريو والمخرجين وفق اهتماماتهم.

ويشير الكثيري إلى أن الجمهور قد يجد صعوبة في التمييز بين السيناريو الذي كتبه إنسان وآخر صنعه الذكاء الاصطناعي، لأنه يتلقى الفيلم أو المسلسل في صورته النهائية. 

في المقابل، يستطيع المخرجون والمؤلفون وكتاب السيناريو اكتشاف الفارق بسهولة أكبر بحكم خبرتهم بأدوات الكتابة، ما يجعل تأثير الذكاء الاصطناعي على صناعة السينما يبدأ قبل التصوير بوقت طويل.

اختبار الذاكرة أمام المهرجانات العريقة

تدخل المهرجانات السينمائية الكبرى دائرة النقاش أيضاً، مع بحث مسألة إدراج الأعمال المصنوعة بالذكاء الاصطناعي في مسابقاتها الرسمية، خاصة في "كان" و"فينيسيا".

وفي هذا الصدد، يلفت مؤسس ومدير مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير محمد سعدون لـ24، إلى ضرورة تخطي معايير التحكيم التقليدية، فالمخرج هنا يعمل خارج السلسلة الإنتاجية المعتادة دون تصوير أو ممثلين أو عناصر تنفيذية حية، ما يفرض احتساب كفاءته في تطويع الذكاء الاصطناعي لخدمة رؤيته.

ويضيف سعدون أن "طريقة السرد وحبكة السيناريو تظلان الفيصل الوحيد لتقييم العمل، حتى وإن جرت صياغة النص آلياً، فالكاتب هو من يزود الآلة بالموجهات وهيكل المشاهد"، مؤكداً أن الرهان الحقيقي يكمن في عمق الفكرة، وقدرتها على الوصول للجمهور، وبراعة المخرج في تقديم رؤية فنية متكاملة.