بالتزامن مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 2027، تسببت قضية إخلاء المسنة ماريكارمن أباسكال من منزلها الذي تعيش فيه منذ 70 عاماً في تفجير أزمة سكن حادة في إسبانيا، محوّلة المشهد من مجرد نزاع حول عقد إيجار قديم إلى موجة غضب شعبي واسعة.

يقدّر بنك إسبانيا أن عدد المساكن التي بُنيت بين 2021 و2025 كان أقل بـ 750 ألف مسكن من العدد اللازم لتلبية الطلب. وفي 2025، زاد عدد الأسر التي تحتاج إلى مسكن بنحو 240 ألفاً، بينما لم يُطرح في السوق سوى 92 ألف مسكن جديد.

وعقب مظاهرة حاشدة شهدتها العاصمة مدريد يوم السبت الماضي، اعتصم مئات المحتجين ونصبوا خيامهم في ساحة بويرتا ديل سول، مطالبين الحكومة بالتدخل العاجل لمواجهة ارتفاع الإيجارات وصعوبة تأمين المسكن.

كما هدّد اتحاد المستأجرين بمواصلة الاعتصام ما لم تُصدر الحكومة مرسوماً يتضمن حظر الإخلاءات، ومكافحة المضاربة العقارية، وإقرار عقود إيجار غير محددة المدة. 

بدوره، قال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إن حكومته تعمل "على مدار الساعة" لطرح المرسوم على مجلس الوزراء، داعياً شركاءه السياسيين إلى دعمه والمساعدة في تمريره داخل البرلمان.

كيف بدأت أزمة المسنة؟

عاشت ماريكارمن (87 عاماً) طيلة 7 عقود في شقتها بمدريد بموجب عقد "إيجار قديم" ورثته عن والديها وكان يُكلفها 500 يورو شهرياً. لكن الأزمة بدأت في 2018 عقب شراء شركة عقارية للمبنى ومطالبتها بإيجار جديد يبلغ 1650 يورو، وهو ما يتجاوز معاشها الشهري (1350 يورو). 

حينها تمسكت ماريكارمن بالقيمة القديمة لعدم قدرتها على الدفع، بينما اعتبرت الشركة العقد منتهياً. وبعد نزاع قضائي امتد سنوات، جرى إخلاء السيدة المسنة قسراً من منزلها في 23 سبتمبر (أيلول) الجاري، حيث خرجت ماريكارمن من منزلها على نقالة متوجهين بها إلى مستشفى غريغوريو مارانيون، ثم انتقلت للإقامة لدى أقاربها.

الأزمة أكبر من حالة واحدة

أشعلت القضية احتجاجات أمام منزل السيدة المسنة، قبل أن تنتقل إلى بويرتا ديل سول، حيث وصل عدد الخيام 350 خيمة، وفق "اتحاد المستأجرين". وتحولت ساحة الاعتصام إلى مكان للنوم والدراسة والعمل عن بعد، فيما يترقب المحتجون إقرار مرسوم السكن الذي أطلق عليه اسم "مرسوم ماريكارمن".

وتعكس القصص التي رواها المعتصمون ونقلتها وسائل إعلام إسبانية ودولية اتساع المشكلة بين فئات مختلفة. فمثلاً كويكي، وهو شاب من مدريد، قال إنه مضطر للعيش مع والدته لأنه لا يستطيع تحمل إيجار مسكن في العاصمة، فيما تخشى والدته من زيادة الإيجار العام المقبل.

أما كلارا، البالغة من العمر 33 عاماً، فتعيش في شقة كانت مملوكة لجدتها، وتقول إن هذه الظروف هي التي تسمح لها بالعمل والدراسة والاستمرار في تعليمها. فيما ترى كارمن أن امتلاك أحد أفراد العائلة مسكناً أصبح، بالنسبة لبعض الشباب، الطريق الوحيد للعيش بصورة مستقلة دون الخوف من ارتفاع الإيجار.

فجوة بين المعروض والطلب

تكشف بيانات "إيدياليستا" حجم الضغوط على سوق السكن، حيث بلغ متوسط الإيجار المعلن في مدريد 23.3 يورو للمتر المربع في أغسطس (آب) 2026، بزيادة 5.1% على أساس سنوي، مقارنة مع 12.8 يورو في الشهر نفسه من 2016، أي ارتفاع بأكثر من 80% خلال 10 سنوات.

ويقدّر بنك إسبانيا أن عدد المساكن التي بُنيت بين 2021 و2025 كان أقل بـ 750 ألف مسكن من العدد اللازم لتلبية الطلب. وفي 2025 زاد عدد الأسر التي تحتاج إلى مسكن بنحو 240 ألفاً، بينما لم يُطرح في السوق سوى 92 ألف مسكن جديد.

وتبرز الفجوة أيضاً عند مقارنة كلفة الإيجار بالدخل، فاستئجار شقة مساحتها 50 متراً مربعاً في مدريد يعني إنفاقاً سنوياً يقارب 14 ألف يورو، في حين بلغ متوسط الراتب في إسبانيا 30 ألف يورو عام 2024. 

وبحسب التقارير، تتعدد التفسيرات لأزمة السكن في إسبانيا، فالنقص في المساكن المتاحة داخل المدن الكبرى، إلى جانب استخدام بعض العقارات لأغراض سياحية والمضاربة العقارية، يضغط على المعروض المتاح للسكان ويدفع الإيجارات إلى الارتفاع. 

في الوقت ذاته، يرى بعض الخبراء أن حل الأزمة يتطلب زيادة عدد المساكن المعروضة، محذرين من أن طول الإجراءات القانونية في قضايا الإخلاء بسبب عدم دفع الإيجار أو الإشغال غير القانوني يجعل بعض المالكين مترددين في تأجير عقاراتهم.