لم يعد تقييم التعليم العالمي يتوقف عند ما يعرفه الطالب في القراءة والرياضيات والعلوم، بل بدأ يختبر قدرته على توظيف المعرفة والأدوات الرقمية في مواجهة مشكلات أكثر تعقيداً، مع تغير المهارات التي يتطلبها الاقتصاد الرقمي. ويجسد إدخال مقياس لحل المشكلات الحاسوبية للمرة الأولى في نتائج اختبار PISA 2025 هذا التحول، إذ يقيس قدرة الطلاب على استخدام الأدوات الرقمية للوصول إلى حلول لمشكلات معقدة، في نتائج أصدرتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) في 8 سبتمبر(أيلول) 2026.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة عربياً، إذ سجلت الإمارات 476 نقطة في حل المشكلات الحاسوبية، مقابل 452 نقطة في قطر، و426 نقطة في السعودية، و408 نقاط في الأردن، و393 نقطة في فلسطين، و374 نقطة في المغرب، و358 نقطة في لبنان، مقارنة بـ500 نقطة متوسطاً لدى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
ماذا تقيس المهارات الحاسوبية فعلياً؟
لكن الأرقام لا تقيس فقط قدرة الطالب على استخدام التكنولوجيا، إذ يختبر المقياس كيف يوظف الأدوات الحاسوبية في النمذجة والبرمجة، وإجراء التجارب الرقمية وتحليل البيانات، وبناء الحلول الرقمية، واكتشاف الأخطاء وتصحيحها، إلى جانب قدرته على متابعة تقدمه وتعديل استراتيجيته أثناء حل المشكلة.
وتكشف النتائج أيضاً أن هذه المهارات لا تتطابق دائماً مع مستوى الأداء في العلوم. ففي الإمارات، أدى 53.4% من الطلاب في حل المشكلات الحاسوبية أداءً أفضل مما كان متوقعاً استناداً إلى أدائهم في العلوم، مقابل 50.1% في قطر و44.9% في السعودية، فيما بلغت النسبة 35.3% في الأردن و54.3% في فلسطين.
وتظهر بيانات OECD ارتباطاً قوياً بين الأداء في حل المشكلات الحاسوبية والعلوم، بمعامل ارتباط بلغ 0.76، إلا أن المقياس الجديد يرصد في الوقت نفسه مجموعة من المهارات المرتبطة بالتعلم والتكيف واستخدام الأدوات الرقمية أثناء حل المشكلة.
جامعات الإمارات تعيد تشكيل التخصصات لمواكبة وظائف المستقبل - موقع 24تتغير خريطة التخصصات الجامعية في الإمارات مع تحولات سوق العمل، وتسارع الطلب على المهارات المرتبطة بالتكنولوجيا والبيانات والقطاعات المستقبلية، فيما تتجه الجامعات إلى تطوير برامجها وإعادة صياغة مخرجاتها واستحداث مسارات تواكب طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.
هل يواكب التعليم استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي؟
في الإمارات، تتسع الصورة إلى ما هو أبعد من حل المشكلات الحاسوبية، فقد أفاد 64.3% من الطلاب باستخدام الذكاء الاصطناعي مرة واحدة أسبوعياً على الأقل للمساعدة في التعلم، مقابل 45.5% في متوسط دول المنظمة، فيما قال 81.7% إنهم يتعلمون في المدرسة تقييم المعلومات التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ62.6% في المتوسط.
وتضيف هذه المؤشرات بعداً آخر إلى المشهد، إذ لا تقتصر المهارات الرقمية على قدرة الطلاب على استخدام الأدوات لحل المشكلات، بل تمتد إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي وتقييم المعلومات التي تنتجها أدواته.
كيف تبدو الصورة خارج المنطقة؟
عالمياً، سجلت ماكاو (الصين) أعلى متوسط في مقياس حل المشكلات الحاسوبية بـ572 نقطة، تلتها سنغافورة بـ563 نقطة، ثم مجموعة بكين وشنغهاي وجيانغسو وتشجيانغ الصينية بـ560 نقطة، واليابان بـ557 نقطة. وسجلت كوريا 538 نقطة، وأستراليا 532 نقطة، وكندا 525 نقطة، مقابل متوسط OECD البالغ 500 نقطة.
وتظهر النتائج تفاوتاً واضحاً في مستويات إتقان هذه المهارات؛ إذ بلغ نحو 26% من طلاب دول المنظمة المستويين الأعلى، الخامس والسادس، فيما سجل 21% المستوى الرابع و17% المستوى الثالث.
من الوظيفة إلى القيمة.. كيف تبني الإمارات كفاءات أكثر تنافسية؟ - موقع 24في رحلتها للتعلم وتحقيق طموحاتها، لم تنتظر موزة سالم التخرج من الجامعة لتبدأ بناء مسارها المهني في علوم البيئة والاستدامة. فبعد حصولها على الثانوية العامة، التحقت ببرنامج "قادة مستقبل الاستدامة" الذي تنظمه شركة أبوظبي لطاقة المستقبل "مصدر"، مدفوعة بشغفها بالعلوم البيئية.
المهارات قبل الأدوات
ويربط الدكتور إس. سوديندرا، نائب رئيس أكاديمية مانيبال للتعليم العالي في دبي، في حديث لـ"24"، بين تنامي أهمية المهارات الرقمية وتطور استخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الاستفادة منه تتطلب فهمه، وطرح الأسئلة المناسبة، وتوظيفه بفعالية.
ويشير إلى أن اندماج أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل والقرارات اليومية يجعل مجرد الوصول إليها غير كافٍ، إذ تتطلب الاستفادة منها امتلاك المهارات اللازمة لاستخدامها بالشكل الأمثل.
مفهوم الثقافة الرقمية
ويحدد سوديندرا هذه المهارات في صياغة الأسئلة، وتقييم جودة وموثوقية مخرجات الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات والخصوصية، ومعرفة الحالات التي تتطلب رقابة بشرية.
ويحذر من أن غيابها قد يحول الأفراد إلى مستخدمين سلبيين، بدلاً من مشاركين فاعلين يوظفون الذكاء الاصطناعي في حل المشكلات، وتعزيز الإنتاجية، وابتكار الأفكار.
ويرى أن الثقافة الرقمية لا تُختزل في مهارة تقنية، إذ لا تقل أهمية التفكير النقدي والإبداع والوعي الأخلاقي وتحليل المعلومات وحل المشكلات عن معرفة استخدام منصة أو أداة معينة.
التكيف مع التقنيات
ويشير سوديندرا إلى أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يجعل مواصلة التعلم والتكيف معه من أكثر المهارات قيمة.
ويؤكد أن إعداد الطلاب للمستقبل يجب أن يتجاوز استخدام الذكاء الاصطناعي إلى فهم إمكاناته وحدوده وآثاره، وتمكين الخريجين من العمل بثقة إلى جانبه، مع الحفاظ على الحكم البشري والمسؤولية والخبرة المتخصصة.