تقول الحكومة البرازيلية إن التحسن الذي شهدته مؤشرات الفقر والفقر المدقع وعدم المساواة خلال السنوات الأخيرة يتزامن مع تحول في إدارة المالية العامة، في وقت تواجه فيه البلاد تحدياً يتمثل في احتواء نمو الدين العام وخفض كلفة الاقتراض المرتفعة.
ويعرض وزير المالية البرازيلي داريو دوريجان، في مقال نشرته "ذي إيكونوميست"، رؤية الحكومة للسياسة المالية منذ عودة الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى السلطة في يناير (كانون الثاني) 2023، مشيراً إلى تحسن مؤشرات الدخل وسوق العمل وتراجع الفقر، مع تأكيده أن الحكومة تعمل في الوقت نفسه على معالجة مشكلة الدين العام. وتأتي هذه الرؤية في وقت تشير فيه بيانات وتصريحات رسمية إلى استمرار الحاجة إلى ضبط الإنفاق وتحسين النتائج الأولية.
الدين العام يمثل التحدي الأكبر
وتضع الحكومة خفض مسار الدين في صدارة أولوياتها المالية، إذ يرى دوريجان أن تثبيت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يمثل المرحلة الأخيرة من عملية ضبط المالية العامة. وكان قد أشار في يوليو (تموز) إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب مواصلة خفض الإنفاق غير الضروري، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الضريبية، مع توقعات بتحقيق فوائض أولية في السنوات المقبلة قبل بدء تراجع الدين.
وتزداد أهمية هذا الملف مع ارتفاع الدين العام، الذي تشير تقديرات حديثة إلى بلوغه مستويات مرتفعة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي. كما أن ارتفاع كلفة خدمة الدين يحد من المساحة المتاحة أمام الحكومة لتوجيه الموارد نحو الاستثمار والبرامج الاجتماعية، ويجعل خفض أسعار الفائدة عاملاً مهماً في تحسين الوضع المالي.
الفائدة المرتفعة تضغط على الاقتصاد
يمثل سعر الفائدة أحد أبرز التحديات أمام السياسة الاقتصادية البرازيلية، إذ أشار دوريجان إلى أن خفض معدلات الفائدة يمثل تحدياً رئيسياً للبلاد. وعلى الرغم من خفض البنك المركزي سعر الفائدة الأساسي تدريجياً خلال 2026، فإن مستويات الفائدة الحقيقية لا تزال مرتفعة، ما يبقي كلفة التمويل على الأسر والشركات والحكومة عند مستويات ضاغطة.
وترتبط السياسة المالية والسياسة النقدية بصورة وثيقة في هذه المرحلة، إذ يمكن لتحسن الحسابات الحكومية أن يدعم الثقة في مسار الدين، بينما يمكن لانخفاض الفائدة أن يقلل كلفة خدمة الدين ويخفف أعباء التمويل على القطاع الخاص. وفي المقابل، فإن استمرار الإنفاق المرتفع أو تراجع الإيرادات قد يزيد الضغوط على أسعار الفائدة وأسواق الدين.
تحسن الدخل وسوق العمل
وتستند الحكومة في عرض نتائجها الاقتصادية إلى مجموعة من المؤشرات الاجتماعية، من بينها انخفاض معدلات البطالة وتحسن الدخول الحقيقية وتراجع عدم المساواة. كما يشير خطابها الاقتصادي إلى خروج البرازيل من خريطة الجوع التابعة للأمم المتحدة، إلى جانب زيادة الحد الأدنى للأجور بالقيمة الحقيقية وتحسن متوسط دخل العاملين.
لكن تحسن المؤشرات الاجتماعية لا يلغي التحديات المالية، إذ يتطلب استمرار برامج الدعم الاجتماعي توفير مصادر تمويل مستقرة، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى ضبط نمو الإنفاق الإلزامي. وتتمثل المعادلة الاقتصادية في الحفاظ على الإنفاق الذي يستهدف الفئات الأقل دخلاً مع تجنب توسع مالي يؤدي إلى زيادة الضغوط على الدين والفائدة.
إصلاح ضريبي لتوسيع قاعدة الإيرادات
وتراهن الحكومة كذلك على إصلاحات ضريبية لتحسين كفاءة النظام وزيادة عدالة توزيع العبء الضريبي. وبدأت البرازيل خلال 2026 تطبيق إصلاحات تتضمن تغييرات في نظام الضرائب غير المباشرة، إلى جانب إصلاح ضريبة الدخل، بما يشمل خفض العبء على الشرائح الأقل دخلاً وتعويض جزء منه من خلال فرض حد أدنى فعلي للضريبة على أعلى فئات الدخل.
يأتي ذلك ضمن محاولة أوسع لإعادة تشكيل الإيرادات العامة من دون الاعتماد فقط على خفض الإنفاق، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الموازنة البرازيلية يرتبط بنفقات إلزامية يصعب تقليصها سريعاً.
ضبط الإنفاق في مواجهة الالتزامات
وتبحث الحكومة عن آليات أكثر صرامة للسيطرة على نمو الإنفاق، بما في ذلك تشديد قواعد الإطار المالي وربط نمو بعض النفقات الإلزامية بمحددات أكثر تقييداً. وذكرت تقارير في يوليو (تموز) أن مقترحات قيد الدراسة تتضمن خفض الحد الأقصى لنمو الإنفاق الحقيقي من 2.5% إلى 1.5%، إلى جانب تفعيل آليات جديدة للحد من نمو بعض البنود الإلزامية.
ويكشف هذا الاتجاه عن التحدي الأساسي أمام المالية العامة: تحقيق فائض أولي مستدام بما يكفي لوقف ارتفاع نسبة الدين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري الضروري للنمو.