تواجه صناعة الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة، مرحلة أكثر صعوبة مع تغير السياسات الحكومية تجاه مشاريع الرياح والطاقة الشمسية، لكن الضغوط السياسية والتنظيمية لم تؤد حتى الآن إلى وقف الاستثمار في القطاع، في وقت لا تزال فيه حسابات كلفة التوليد تمنح بعض مصادر الطاقة المتجددة ميزة اقتصادية في عدد من الأسواق.
وتشير "ذي إيكونوميست" إلى بيانات حكومية أمريكية تظهر أن متوسط الكلفة المستوية للكهرباء من بعض مشاريع الرياح البرية والطاقة الشمسية الجديدة يظل تنافسياً مقارنة بمحطات الغاز الطبيعي.
وتظهر تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية للمشاريع الجديدة المتوقع دخولها الخدمة في 2031، أن متوسط كلفة التوليد المستوية للرياح البرية والطاقة الشمسية الكهروضوئية، يمكن أن يكون أقل من نظيره لمحطات الغاز ذات الدورة المركبة، وفق السيناريو الأساسي المستخدم في التقديرات. لكن الإدارة تحذر من الاعتماد على هذا المؤشر وحده للمقارنة بين مصادر الكهرباء، لأنه لا يعكس جميع العوامل المرتبطة بقيمة الكهرباء للشبكة أو موثوقية الإمدادات أو توقيت الإنتاج.
السياسة الأمريكية تعيد تشكيل سوق الطاقة
وتتعرض مشاريع الطاقة المتجددة في الوقت نفسه لضغوط سياسية وتنظيمية مع توجه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تقليص الدعم المقدم لطاقة الرياح والطاقة الشمسية وتعديل القواعد التي حكمت توسع القطاع خلال السنوات السابقة.
وقلّص قانون الضرائب الذي أقره الجمهوريون، نطاق ومدة عدد من الحوافز الضريبية التي استفادت منها مشروعات الرياح والطاقة الشمسية، وسرّع إنهاء بعضها بالنسبة إلى المشاريع الجديدة.
وبموجب التعديلات، يتعين على مشروعات الرياح والشمس المشمولة بدء أعمال البناء في موعد أقصاه 4 يوليو (تموز) 2026، أو دخول الخدمة قبل 2028، للاستفادة من بعض اعتمادات إنتاج واستثمار الكهرباء النظيفة، وفق القواعد الجديدة. كما وجهت الإدارة وزارة الخزانة إلى تشديد تطبيق شروط الاستفادة من هذه الاعتمادات.
ومن شأن هذه التغييرات تقليص العائد المتوقع لبعض الاستثمارات الجديدة وزيادة الضغوط على المشاريع التي كانت تعتمد في حساباتها المالية جزئياً على الحوافز الحكومية.
وتزامن ذلك مع إجراءات أخرى طالت مشروعات الرياح البحرية. وفي 22 سبتمبر (أيلول)، رفعت كاليفورنيا دعوى منفصلة تتعلق باتفاق بين الحكومة الفيدرالية وشركة "إنفينرجي"، فيما قادت نيويورك ائتلافاً من سبع ولايات أخرى في دعاوى للطعن في اتفاقات تتضمن دفع أموال إلى شركات طاقة مقابل إلغاء عقود إيجار لأربعة مشروعات رياح بحرية.
وقالت نيويورك إن "الاتفاقات محل الدعويين تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 1.4 مليار دولار، بينما تتعلق دعوى كاليفورنيا باتفاق منفصل يتجاوز 111 مليون دولار". وهذه الأرقام تمثل ما تقول الولايات إنه "مبالغ حكومية مخصصة بموجب الاتفاقات"، وليس قيمة المشروعات نفسها.
تباطؤ التطوير بدلاً من التوقف
ولم تؤد هذه السياسات إلى إنهاء تطوير الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة، لكنها جعلت بيئة الاستثمار أكثر تعقيداً بالنسبة إلى بعض المشروعات الجديدة، خصوصاً مع تراجع بعض الحوافز وارتفاع المخاطر التنظيمية والسياسية المرتبطة بالاستثمارات طويلة الأجل.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن مشاريع الطاقة المتجددة تتطلب إنفاقاً رأسمالياً كبيراً في مراحل الإنشاء، بينما تعتمد قدرتها على تحقيق العائد على سنوات طويلة من التشغيل. وبالتالي، فإن أي تغير في الإعفاءات الضريبية أو القواعد التنظيمية يمكن أن ينعكس على قرارات الاستثمار وكلفة التمويل وجدوى المشروع.
ولا تزال نماذج إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تفترض إضافة قدرات جديدة من مصادر مختلفة، بما فيها الرياح والطاقة الشمسية والغاز الطبيعي، مع تفاوت حجم الاستثمارات تبعاً لأسعار الوقود والسياسات والتكنولوجيا والطلب على الكهرباء.
ميزة اقتصادية رغم الضغوط
وتظل كلفة التوليد عاملاً رئيسياً في تحديد قدرة مصادر الطاقة المختلفة على المنافسة. فالرياح البرية والطاقة الشمسية لا تتحملان كلفة وقود مباشرة بعد تشغيل المشروع، بينما تعتمد محطات الغاز الطبيعي على شراء الوقود طوال فترة التشغيل، ما يجعل أسعار الغاز عاملاً مؤثراً في اقتصادياتها.
ومع انخفاض كلفة تقنيات الطاقة الشمسية وتحسن كفاءة توربينات الرياح، أصبحت بعض هذه المشاريع أكثر تنافسية من حيث كلفة التوليد.
لكن المقارنة لا تتوقف على كلفة إنتاج كل ميغاوات ساعة فقط. فطبيعة إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، التي تتغير وفقاً للطقس والوقت، تفرض على أنظمة الكهرباء الحاجة إلى شبكات أكثر مرونة وقدرات تخزين أو مصادر توليد أخرى تستطيع التدخل عند انخفاض الإنتاج.
ولهذا تؤكد إدارة معلومات الطاقة أن المقارنة المباشرة بين الكلفة المستوية لمصادر التوليد المختلفة قد تكون مضللة إذا استخدمت وحدها، لأن قرار الاستثمار يتأثر أيضاً بقيمة الكهرباء المنتجة وموقع المشروع وحاجة الشبكة إلى القدرة في أوقات محددة.
الاستثمار يواجه اختباراً جديداً
ويضع التحول في السياسة الأمريكية قطاع الطاقة المتجددة أمام اختبار يتعلق بقدرته على مواصلة جذب رأس المال مع تقلص بعض أشكال الدعم الحكومي وزيادة حالة عدم اليقين التنظيمي.
وقد تصبح المشاريع التي تتمتع بمواقع أفضل وموارد رياح أو شمس أقوى وكفاءة تشغيل أعلى أكثر قدرة على الحفاظ على جدواها الاقتصادية، بينما قد تواجه المشاريع ذات الهوامش الأقل ضغوطاً أكبر عند ارتفاع كلفة التمويل أو تراجع الحوافز.
كما قد يمتد أثر تباطؤ تطوير مشروعات جديدة إلى سلاسل الإمداد المرتبطة بالقطاع، بما يشمل مصنعي المعدات وشركات الإنشاء والصيانة والمطورين وملاك الأراضي ومقدمي الخدمات.
الغاز يحافظ على دوره في مزيج الكهرباء
ولا يعني انخفاض كلفة التوليد في بعض مشروعات الرياح والطاقة الشمسية بالضرورة تراجع دور الغاز الطبيعي بصورة مماثلة.
فالغاز يوفر قدرة توليد قابلة للتشغيل عند الحاجة، وهي خاصية تكتسب أهمية بالنسبة إلى شبكات الكهرباء مع ارتفاع حصة المصادر التي يتغير إنتاجها وفقاً للظروف الجوية.
وستظل المنافسة بين مصادر الكهرباء مرتبطة بمزيج من كلفة بناء المحطات وتشغيلها، وأسعار الوقود، وكلفة التمويل، والاستثمارات المطلوبة في الشبكات والتخزين، إضافة إلى السياسات الحكومية والقواعد التنظيمية.
وبذلك لا يتوقف مستقبل الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة على انخفاض كلفة التكنولوجيا وحده، بل على قدرة المشروعات على الحفاظ على جدواها الاقتصادية في سوق يعاد تشكيل قواعده السياسية والتنظيمية.